هل توجد حدود ثقافية بين
الشرق و الغرب؟
بقلم: ألزهاس سليمانوف (سفير مفوض دائم لكازاخستان لدى اليونسكو)
ترجمة: عبدالرزاق محمد بنتركة
ما يدفع لطرح هذا السؤال هو الوعي التام بوجود متتالية تُعمق التناقضات العامة، و هو ما يسميه السياسيون باصطدام الحضارات. تقترح منظمة اليونسكو بالمقابل ترجمة هذا الصراع إلى حوار أكثر سلما بين الحضارات. و من الواضح أنه يجب علينا أخذ كل حالة على حدة و كشف أسباب المنازعات التي تتصل قطعا بجذور قديمة.
في تصورنا يُعتبر الشرق و الغرب حصيلة لتطور هذه الأسباب على مدى عدة قرون، يُفضل بعض المُتخصصين في دراسة الثقافات تناول هذه الظواهر على أنها أصيلة و مستقلة و منعزلة تاريخيا عن بعضها البعض. على هذا النحو سوف نجد حججا تسير في هذا الاتجاه أو ذاك. لكن يجب الاعتراف أن الاختبار المطبق على عناصر متفرقة هو بشكل ملموس أكثر ملائمة. و خاصة عندما يكون مفهوما جدا مركب كمفهوم "الشرق" يضم الإسلام و البوذية و الهندوسية و الشنتو {ديانة يابانية تسجد الأجداد} و الشمانية {عبادة الطبيعة و القوى الغيبية في شمالي آسيا وأمريكا} و مذهب التانكري إلخ.
فاستعمال مصطلحات عامة من صنف "ثقافة الشرق" و "حضارة شرقية" ليس ممكنا . لكن هذه المصطلحات تعطي في المقابل دلالة ملموسة بشكل أفضل. ذلك أن "الغرب" في تمثلنا هو مفهوم أكثر بساطة و أكثر تماسكا على جميع المستويات, و هو لا يؤجل التعاطي مع البعد الديني إلى آخر المطاف.
إن السؤال حول العلاقات المتبادلة بين الإيمان و العلم هو تساؤل قديم: حيث ظهر مع فجر الثقافة, و لا يزال مطروحا إلى يومنا هذا.
لماذا أثرت الديانات التي تؤمن بوحدانية الإله سلبا على التقدم العلمي و التقني بالشرق؟
بإمكان الحضارة الصينية الكبرى أن تعتز بكونها أوجدت كنوزا ذات مستوى عالمي كالزجاج و الخزف الصيني و الورق و آلية الموسيقى و البارود و اكتشاف مبدأ الحركة عن طريق رد الفعل و غير ذلك كثير. حصل هذا كله قبل انتشار البوذية بالإمبراطورية الوسطى. كما حصل أيضا عجز مماثل للفكر العلمي و التقني بالهند القديمة و ببلدان أخرى خلال مرحلة الزهد البوذي الساعي وراء الفناء المطلق, أي النيرفانا.
و يمكن اعتبار أن أثر الإسلام على ثقافة القرون الوسطى للعرب و إيران و الترك تمخض عن نتائج مماثلة.
و أخيرا, لماذا لم يتأتى للمسيحية أن توقف تطور العلم حتى الآن؟
يكمن السبب بكل تأكيد في كون العقيدة المسيحية, التي كانت تهيمن على وعي المجتمعات الأوربية منذ عشرة قرون خلت, كان عليها التصدي لردة فعل مباغتة عند مستهل الألفية الثانية. ففي ربوع الأرض المداسة باستمرار, لاحت أولى بنات أفكار الإرث الفكري, المنتعش بشكل مفاجئ بعد طول إهمال: كانت النهضة نتيجة تلاقح. قد نكون اليوم بصدد معانية فجر نهضة جديدة و تلاقح جديد بين الشرق و الغرب.
سوف نجيب عن كل الأسئلة المطروحة متسائلين أولا عن مصدر هذا التفرع المزدوج و ثانيا عن تحركات الشعوب التي جرفت الباحثين عن الشمس الساطعة نحو الشرق و جرفت البعض الآخر نحو الغرب حاملين معهم, في كل مرة, كافة تجاربهم و اكتشافاتهم خلال ألف سنة من الزمن. بوسعنا هكذا تفسير التلاقح المتبادل بين الحضارات و الشعوب, حيث يتبين لنا على هذا النحو أيضا صعوبة اختزال المسألة في خطاب ينظر لهذه الحضارات و الشعوب ككيانات تعيش منعزلة.
جدلية وحدة التعارضات الفعلية: ميولات نحو الشروق و نحو الأفول
انقسم العالم منذ الأزمنة الغابرة، إلى جزئين اثنين: بلدان الشمس الساطعة و بلدان الشمس الآفلة. كانت السنة آنذاك تضم كذلك موسما حارا و آخر بارد، دون أن تكون هناك فصول وسيطة مثل الربيع و الخريف.
إن أحد أكبر الاكتشافات الإنسانية هو ثنائية النظر إلى الظواهر الطبيعية. و العالم مدين بذلك لأرسطو. ففهم الطبيعة على أساس نسق من القوى المزدوجة و المتعارضة (النور و الظلام, المرأة و الرجل,اليسار و اليمين,الخ) أدى من جهة إلى اكتشاف صيغة العلاقة الجدلية و من جهة أخرى إلى نظرية الثالث المرفوع حيث لا وسط بين الوجود و اللاوجود: فالتطور نتيجة صراع و اتحاد بين الأضداد. كما يعتبر تقسيم العالم إلى شرق و غرب جزء من هذه المنظومة.
فبفعل انسياقهم وراء هذا الطرح أو ذاك, لم ير بعض المؤرخين في التعارضات الحادة و علاقاتها المتبادلة إلا وجه الصراع. فيما حاول البعض الآخر, بطريق أكثر جدية, توضيح العوامل التي تثبت وحدة الأضداد. من بين هؤلاء أذكر المؤرخ الروسي ليف كيمليف, ابن شاعرين كبيرين: نيكولا كيميلف و أنا أخما توفا, لربما يكون المبدأ الشاعري, بفضل النور المستوحى قد أعانه على تجاوز المتاهات المظلمة للتاريخ. كثيرا ما يجد الشعر نفسه أقرب للحقيقة من العلم.
لم تكن الشعوب دائما مستقرة بالأماكن التي تقطنها حاليا. فقبل خمسة آلاف سنة, كان أجداد إثنيات عديدة, شرقية حاليا, يعيشون على أراضي تميزت خصوصا بقربها من البحر الأبيض المتوسط و من آسيا الصغرى و كذا من آسيا القديمة. من هناك انطلق أسلاف الصينيين و اليابانيين و الكوريين و الأتراك و الأندونسيين للبحث عن موطن الشمس. دفع مذهب الشمس الفتية (الذي نسيناه منذ وقت طويل) الشعوب باتجاه الشرق, حيث ينهض كل صباح القديس المنير, إله عشاق الشمس. هناك بالضبط حيث تبزغ الشمس من جديد, و حيث "ثعشش الطيور على ظهور الخرفان السمينة" توجد مصادر إعادة انبعاث القبيلة و توجد ثمار غزيرة تسمح للأصلح ببلوغ الخلود عن طريق النهوض مجددا مثل الشمس دوما. أخذت هذه الديانة الناس نحو الشرق طيلة عدة قرون و أجبرتهم على هزم الجبال و الصحاري و البحار. مكث بعضهم على ضفاف المحيط الهادي. في حين كان البعض الآخر أكثر إصرارا و بلغوا جزر اليابان و بولينيزيا معتقدين أن جزيرتهم الصغرى هي بحق موطن الشمس الساطعة. فيما كانت شعوب المايا و الإنكا و الأزتيك أكثر تحمسا فركبت المحيط و اكتشفت قارة الفجر... و هناك شيدت تلك الشعوب معابد على شكل أهرام مدرجة, كالتي نجد بسامراء و ببابل, ممددة استعمال الكتابة الهيروغليفية التي كان يكون رمز الشمس أحد علاماتها الأكثر أهمية. إضافة إلى تفرعاتها الكتابية المنحدرة من مصر القديمة و من سامراء و من الصين القديمة ممثلة للقدسيين المنير الذي كان آنذاك الاله المحبوب من طرف الإنسانية بمعاد.
استطاع الباحث ثور هايدل, المتوفي مؤخرا, أن يلاحظ أوجه تشابه هامة بين ثقافات الإنكا و سكان جزيرة الباك, البعيدة عن أمريكا بآلاف الكيلومترات في اتجاه الغرب. و افترض أن شعوب الإنكا استطاعوا عبور المحيط انطلاقا من ساحل البيرو إلى الجزر البولينيزية على متن قوارب مصنوعة من رزم متماسكة جدا من القصب. ثم عمل على بناء"تكريس" و عبر المحيط بعد 52 يوما من الإبحار. برهن هذا الباحث الكبير على إمكانية الإبحار في المحيط باستعمال مراكب من القصب. لكنه لم يتمكن من التعرف على السبب الذي جعل شعب الإنكا يضطلع بإنجاز من هذا الحجم. فما لاهو الدافع الذي قد يكون حفز للقيام برحلة إلى الغرب على هاته الدرجة من الصعوبة. أهو البحث عن أراضي جديدة؟ فهذه كانت جدا وفيرة بأمريكا.
التقيت ثور هايردل مرة واحدة فقط , سنة 1993, بمناسبة انعقاد ندوة باليابان دامت ثلاثة أيام, حيث تأكد ميلاد الحركة البيئية الدولية تحت اسم "الصليب الإخضر", المنبثق عن ندوة ريو سنة1992 . انتخب ميخائيل غورباتشوف رئيسا, بينما أصبحت أنا و ثور هايردل قيمين. في اليوم الأخير أنجزت صحبة هايردل تقريرا عن الندوة. لكنه سافر جوا إلى بلده البيرو دون سابق إنذار, مما حال دون إطلاعه في الوقت المناسب على الأسئلة التي أعددتها سلفا. لازلنا على عكس العصور القديمة نعتقد إلى اليوم أن التنقل نحو الشرق كانت له دواعي حقيقية. كان مذهب الشمس الفتية في أولى الهجرات الكبيرة للشعوب: انطلاقا من حوض البحر الأبيض المتوسط و من آسيا الصغرى العتيقة نحو الشرق. على هذا النحو تشكل في نظري مفهوم الشرق ذاته. بعد ذلك أضفنا إليه خصائص ثقافية و جيوسياسية.
كان مذهب الشمس الفتية بمثابة الديانة المشتركة للعالم العتيق. غير أن قياوية عدة شعوب فشلوا في تأويل رموز هذه العقيدة بطريقة موحدة. و لهذا السبب جاءت مواقف الأتباع كذلك متباينة. و احتفظ أحد أهم تيارات هذا المذهب, الذي لم تصغ أفكاره بعد, بعينة من ساكنته القبلية في عين المكان. كان العالم القديم جدا صغيرا و كانت شعوبه قليلة العدد؛ بحيث لم تتجاوز ثلاثة إلى خمسة ملايين نسمة على الأرجح. إضافة إلى أن عدد اللغات كان في حدود بضع عشرات. خلال الألفيات اللاحقة, سوف يتسع التواجد البشري على الكوكب مضاعفا حضوره بألف مرة.
تمكن المعلومات التي راكمها المؤرخون فهم أسباب هجرات أخرى, أقل أهمية. وقع "انفجار مثير" (حسب اصطلاح كيميليف) خلال الألفية الثالثة قبل المسيح, و ألقى بالقبائل الرحل للساميين القدامى ابتداءا من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى داخل آسيا القديمة الأولى. إثر إخضاعهم للسومربيين, تينى القادمون الجدد ثقافتهم و كتابتهم و أسسوا الإمبراطورية الآشورية-البابلية ببلاد الرافدين. عند انتشارهم تدريجيا على ربوع العالم القديم آنذاك, قام الساميون القدامى تارة باستيعاب و تارة أخرى بإزاحة الساكنة الأصلية, التي ضمت تشكيلتها ممثلين عما سيعرف لاحقا بالهندأوربيين, و الفنلنديين المجريين, و القوقازيين و كذا الأتراك إلى حدما. إبان الألفية الثانية قبل المسيح سوف نجد هذه الأهالي بآسيا الصغرى القديمة و على الهضبة الإيرانية التي اجتازتها هاته الساكنات من أجل التوسع إلى الشمال و إلى الغرب, بحثا عن أراضي أفضل و أكثر أمانا.
فالأسباب التي دفعت القبائل المتبقية نحو الاستعمار خارج حدود العالم القديم كانت مادية بالأساس و مرتبطة بالتوسع أكثر من كونها أسبابا روحية. على هذا النحو تشكل كيان الغرب القديم, بفلسفة في الحياة التي تهتم بالحياة العملية أكثر من التطلعات الخيالية للعقل.
طريق الحرير: ملتقى الشرق و الغرب.
هكذا تولدت صحوة جديدة في حدود زهاء القرون الأولى من عصرنا. حيث سبق للناس أن فهموا أن شكل الأرض كروي, بدلا من دائري, و أن رؤية الأفق تدنو ليس ممكنا حتى و نحن نسير باتجاه الشرق. تحول مذهب الشمس الساطعة إلى مذهب السماء, و هذا جلي أكثر في الثقافة الصينية و الثقافة التركية المغولية.
في رأيي, تمخض غزو المغول الرحل-الذي يمثل هجرة كبرى للشعوب (من الشرق إلى الغرب, إذا استعملنا مصطلحات اليوم),عن أسباب اقتصادية ذات قاعدة سياسية. مثلت علاقات الندبة و التعاون بين الإمبراطوريتين الكبيرتين للعصور الحديثة- الإمبراطورية الوسطى و الإمبراطورية الرومانية- السبب الأول للهجرة "الكبرى". كما شكل الأتراك الرحل, القاطنين بالحدود الشمالية للصين, عامل توثر مستمر بالنسبة للإمبراطورية. حيث قادت الحروب ضدهم إلى تلف أقاليم صينية عديدة. و لحماية الحدود الشمالية, دام بناء الجدار الكبير عدة عقود من الزمن. لكن دون أن يتمكن ذلك من إنقاذ الإمبراطورية. إثر ذلك ما لبث السياسيون الصينيون أن وجدوا حلا خارقا: العمل على تحويل الأعداء الأبديين إلى خدام أوفياء. عهد للأتراك تأمين طريق الحرير الكبرى, بدءا من الصين و حتى حدود الإمبراطورية الرومانية. عادة ما كانت الإنجازات الرئيسية توصف بأنها "ضخمة". في حين أن هذا الشريان التجاري العابر للقارات, و الذي يجمع بين الشرق و الغرب, كان يستحق هذه الشمسية بامتياز. لم تكن التجارة بين الصين و أوربا عبارة فقط عن تجارة الحرير و الخزف الصيني و التوابل. بل تعلق الأمر أيضا بتبادل قيم حضارة شملت آخر النتائج العلمية آنذاك. و يجب ذكر الورق و البارود كأحد الاختراعات الصينية الكبرى.
توسع الأتراك شيئا فشيئا من منغوليا إلى آسيا الصغرى, سالكين مسار طريق الحرير, في أغلب الأحيان. و كانت القوافل تعبر الطريق, من البحر الأسود إلى الأندلس, صحبة عناصر قوطية (و القوط شعب جرماني قديم مكون من المحاربين). و كان هؤلاء مستقرين بأراضي تمتد من منطقة الكريمي (إقليم قوطي شرقي) و حتى إسبانيا (منطقة قوطية غربية). تؤكد أيضا أصول الكلمات المتداولة التعاون الوثيق للشعوب الجرمانية القديمة مع التجار و الإداريين الصينيين. تجد القواميين فكلمة "سيتا", "حرير" مشتقة من اللاتينية ساييتا "1-شعر (الحصان)؛2-حرير, شعر (الخنزير) الصلب".
نظن أن التطور على المستويين الدلالي و المعجمي صب بعيدا عن المعنى الصحيح: أي "خيط الحرير", "شعر الحصان" يعد الاهتمام أولا بالاسم الصيني ل"سلعة" صينية ما أحد مسؤوليات اللسانيين و علماء اللغة بالأساس. قد يجد علم الاشتقاق اللغوي ثمة مرتكزا جديا. فالمواد الصينية كانت تجلب إلى أوربا صحبة تسميتها الخاصة. فإعادة اختراع التسمية أمرا لم يكن واردا: حيث "سي" باللغة الصينية تعني "الحرير" و "سمي دي " تعني "من حرير". بالنظر للحروف الصامتة, يعتبر النعت قريبا من اللغة الأندلسية (الإسبانية) سي دا "حرير", و سي دني "حريري". حسب ه>ه المعطيات- دأبت قوافل الحرير, المصاحبة لعناصر قوطية محاربة, على الذهاب إلى إسبانيا مرورا بالقرب من روما.
وصلت البضاعة الصينية إلى الجرمانيين الشماليين عبر طريق فرعي آخر خاضع للأتراك الذين استمدوا من لغتهم ملحقا نعتيا: إذ ثم تغيير سي دي بكلمة سيليك أي "حريري". مع ذلك, فهم الجرمانيون النعت على أنه اسم الموصوف "حرير": سيلك بالإنجليزية, بالاسكندنافية سيلكي, و أخيرا بالروسية:èèèèè. علاوة على ذلك, قد تعود الكلمة الفارسية سيراه إلى نفس جذر الاشتقاق سيليك, لأن حرف اللام في اللغات الإيرانية يميل بانتظام إلى حرف الراء. باتجاه أقص الجنوب لممر طريق الحرير, حيث قادة بالأتراك ترافق القوافل. كما مكنت هذا الممر الجنوبي الحرير من الوصول إلى منطقة أبنين عبر إيران و بلدان الشرق الأدنى التي كانت خاضعة للروم آنذاك. راجع في هذا الباب, الكلمة الاتينية سيريكييس-1."من الحرير", 2."صيني", الغربية بعرفها الصامت من الكلمة الإيرانية.
في غياب أية شهادة مكتوبة, لا تقل كلمات الخطاب الشفوي أهمية عن وثائق ذلك العصر التي تعتمد على قدم المساواة مع الاكتشافات الأثرية. بحيث يكفي فقط أن نترجم بشكل صحيح و أن نفك رموز المعلومات المتضمنة في هذه الكلمات.
حينئذ تنجلي أمام أنظارنا لوحات فنية رائعة للتبادل الثقافي بين الشرق و الغرب, كانت خارج نطاق إدراكنا لفترة من الزمن.
كما يوجد ما يكفي من المصادر المكتوبة لتصور مدى أهمية علاقات التبادل هذه. غير أن هذا لا يبرز في الكتب المدرسية أوفى مقررات التعليم العالي, و أن كان معروفا بشكل جيد لدى الأخصائيين.
النهضة: في مركز تبادلات جديدة شرق / غرب.
اسألوا اليوم تلميذا فرنسيا أو تلميذا عراقيا عن النهضة: كيف و مماذا ابتدأ عهدها؟ و أية نهضة نعني في الحقيقة؟
آمل أخيرا أن تتطرف الكتب المدرسية للقرن الواحد و العشرين لهذا الموضوع التاريخي بشكل ملائم يسمح بالإجابة عن هاته الأسئلة.
سبق و درس هذا الموضوع منذ زمن طويل من طرف بضع عشرات من الاختصاصيين، إلا أن كتاباتهم لم يسبق نشرها بشكل واسع.
لم تكد مسيحية القرن الأول من "العصر الحديث" تختلف عن الديانات الأخرى. بل بالأحرى كانت صريحة في جهودها لاستبدال العلم بالإيمان. و أكدت على ... العادة الدنيوية لصالح النعيم الخالد في السماء. فكانت تمنع بصقة كل الإشارات التي تذكر بالحريات الدينية لليونان و لروما و مذهبهما المتصل بالحياة الدنيوية. انطلقت الحرب الصليبية التي شنها المسيحيون الأوائل ضد "الماضي البائد" مع إضرام النار عمدا في مكتبة الإسكندرية التي كانت تحوي أتم مجموعة كتب على الإطلاق لتاريخ العالم القديم. و تم القضاء في كل ربوع أوربا على التقاليد المدونة في اليونان القديمة. مرة ألف سنة من الزمن، نسيت أوربا الغارقة في ظلمات الأصولية المسيحية، ثقافة رغد الحياة لهيلاد إلى درجة زوالها من الذاكرة. وصلت لفائف الورق المشمع, إلي تضم مؤلفات كتاب يونانيين قدامى, إلى التخوم الشرقية للعالم آنذاك, أي إلى بغداد, عاصمة الخلافة العربية. كان الإسلام فتيا و لم يكتسي بعدا ثقافيا بعد. نجح العلماء العرب في تقديم نظم رياضية جديدة {الجبر} و في إحياء الكيمياء و الفلسفة. و ثم ابتداع صيغة "اللغة التركية للمحاربين, و اللغة الفارسية للشعراء و اللغة العربية للفلاسفة" عند بداية العصر الوسيط في آسيا الوسطى ذات التعددية اللغوية.
في القرن الحادي عشر, قام التركي محمد الفارابي ينقل أعمال أرسطو و أفلاطون إلى اللغة العربية, و كان أفلاطون معروفا لدى الأوساط العلمية, لذلك الوقت باسم "المعلم الثاني للعالم" (كان المركز الأول مخصصا لأرسطو). وصلت هذه الكتب إلى إسبانيا, ب"كردون", الآهلة بالعرب. بالإضافة إلى وجود منشقين عن الكنيسة الكاثوليكية هناك. ترجم هؤلاء الأعمال اليونانية الكبرى من العربية إلى اللاتينية. انتشرت هذه الكتب سرا على نطاق واسع في القرن الحادي عشر عبر كل أوربا مخلفة انطباعات و مواقف لاتزال إلى الآن مجهولة. على هذا النحو انتعش بأوربا ثانيا الشعور بالغبطة الدنيوية. إن ما نسميه بالنهضة يعني إعادة إحياء الدراسات اليونانية الإغريقية. و هذا يتجلى في الآداب و الفنون الجميلة و العلوم. هكذا تشكل الوعي الإنساني الذي سمح للعقل البشري بالنفاذ إلى الأسرار الأكثر عمقا لمسألة خلق العالم.
ساهمت روح النهضة في الكشف عن دلالات ضمنية في النصوص المبتذلة للكتب المقدسة. كما ساعد موضوع "خلق الله الإنسان من صورته" الوعي المسيحي النهضوي على إيقاد بريق بيت لمم مجددا لكل المواليد. لأن كل إنسان هو قبس من الإله الذي صنع الإنسان كي يصبح خالقا بدوره. كان ما طور هذا الوعي مبدأ الإنسان ككائن خلاق و إلهي.
كخلاصة مبدئية, يمكننا القول إن الثقافة الغربية ظهرت كتركيب للفكر الأخلاقي الزهدي المسيحي من جهة و للمذهب اليوناني الإغريقي المتصل بالحياة الدنيوية من جهة أخرى. إبان الألفية الثانية بعد ميلاد المسيح, تأثير مضمون و كذا إيقاع الحضارة الغربية بالصراع الحاد و بوحدة الأضداد.
فالبوذية و الإسلام لم يعرفا تناقضات جدلية مماثلة في سياق صيرورتهما. حيث حدد الإسلام للقدر, الذي تغذيه العقيدة, التأخر الطويل للحضارة بالشرق. فالسياسيون الحاليون مجبرون على أخذ هذا العامل بعين الاعتبار عند القيام بتحليل شروط "السياق الأسيوي", حيث تتواجد مفاهيم جد غربية مثل الاشتراكية و الديمقراطية و العولمة و غيرها.
نحو نهضة جديدة؟
لكن التجربة المسيحية شملت كذلك العصيان للأوامر الإنجيلية:" أنا الإله, أنا ربك. لا تصنع الأصنام و لا تقم التماثيل لما هو عال في السماوات, و لما هو منخفض على الأرض و لما هو في المياه تحت الأرض."
قام القراء الأوائل للكتاب المقدس بخرق الأمر بإقدامهم على تجسيد الإله, و ابنه و الأولياء الذين أضفوا إليهم صفات بشرية تمثل جنسا بشريا واحدا- و هو جنسهم.( فالأفروأمريكيون و الأفارقة المعتنقين للمسيحية يفسرون أن مرورهم للإسلام جاء بسبب رفضهم الصلاة لإله أبيض. و هذه نتيجة لم تنبع عن حرية التصرف).
لم يعص المسلمون الأمر الموحى إليهم لأن الإسلام يحرم تجسيد الله و جميع مخلوقاته. فوجه الله لا تدركه الأبصار. ليس الله بصفات وطنية أو عرقية. فهو ليس إنسانا أو حيوانا، لكنه هو الله. كل هذا مؤكد بأقصى درجة من اليقين.
فأين تكمن قوة تصور مماثل؟
تبذل كل الطوائف الإنسانية ما في وسعها للتقرب من" الصورة الإلهية" من دون حتى التعرف عليها. الأمر في الحقيقة يتعلق بالأداة الأكثر تجريدا لإصلاح الإنسان نفسه بنفسه. قد يبدو أن مقاربة من هذا القبيل تجعل من الإسلام "الدين الحق" للإنسانية جمعاء. هذا إن أثبتت نقطة القوة هذه أنها كافية.
ينم التطور اللاحق للموقف الأساسي من خلق الله للإنسان عن روح التمرد و العصيان.
. " الإله خلق الإنسان من صورته و من قبسه." (زمن الأنبياء، الألفية الأولى قبل هذا العصر- أول ألف I
سنة من عصرنا).
. "الإله شبيه لي لأني خلاق!" (عصر النهضة، الألفية الثانية من زمننا).II
عجلت هذه الفلسفة مجرى الزمن بشكل ملموس: ففي غضون بضعة قرون، ارتمت الإنسانية في أحضان المستقبل، أبعد ظاهريا مما هو مناسب. فالنظريات السياسية و التوترات الطبيعية الدولية باتت تتخللها بل و تهددها!
بدلا من "الحرب الباردة"، أصبح لدينا "الانحباس الحراري لكوكب الأرض"!
في متناول العالم اليوم فرصة للتوحد من أجل البقاء، إذا رسم الشرق و الغرب خطة عمل مشتركة تشتغل بوعي كنصفي كرة الدماغ للكون. تماما مثل ما تأتى للإيمان و العلم تحقيقه بأوربا إبان عصر النهضة.
إلا أنه يتعين علينا معرفة أنفسنا معرفة حقيقية قصد إنجاز ذلك. بدون أحادية و لا نقصان. فالشرق و الغرب، تلك أرضنا و وطن الإنسان المفكر. يجب على هذه المرحلة من النهضة الحديثة أن تؤسس أيديولوجيتها على هذا النمط من التفكير.
الشرق و الغرب؟
بقلم: ألزهاس سليمانوف (سفير مفوض دائم لكازاخستان لدى اليونسكو)
ترجمة: عبدالرزاق محمد بنتركة
ما يدفع لطرح هذا السؤال هو الوعي التام بوجود متتالية تُعمق التناقضات العامة، و هو ما يسميه السياسيون باصطدام الحضارات. تقترح منظمة اليونسكو بالمقابل ترجمة هذا الصراع إلى حوار أكثر سلما بين الحضارات. و من الواضح أنه يجب علينا أخذ كل حالة على حدة و كشف أسباب المنازعات التي تتصل قطعا بجذور قديمة.
في تصورنا يُعتبر الشرق و الغرب حصيلة لتطور هذه الأسباب على مدى عدة قرون، يُفضل بعض المُتخصصين في دراسة الثقافات تناول هذه الظواهر على أنها أصيلة و مستقلة و منعزلة تاريخيا عن بعضها البعض. على هذا النحو سوف نجد حججا تسير في هذا الاتجاه أو ذاك. لكن يجب الاعتراف أن الاختبار المطبق على عناصر متفرقة هو بشكل ملموس أكثر ملائمة. و خاصة عندما يكون مفهوما جدا مركب كمفهوم "الشرق" يضم الإسلام و البوذية و الهندوسية و الشنتو {ديانة يابانية تسجد الأجداد} و الشمانية {عبادة الطبيعة و القوى الغيبية في شمالي آسيا وأمريكا} و مذهب التانكري إلخ.
فاستعمال مصطلحات عامة من صنف "ثقافة الشرق" و "حضارة شرقية" ليس ممكنا . لكن هذه المصطلحات تعطي في المقابل دلالة ملموسة بشكل أفضل. ذلك أن "الغرب" في تمثلنا هو مفهوم أكثر بساطة و أكثر تماسكا على جميع المستويات, و هو لا يؤجل التعاطي مع البعد الديني إلى آخر المطاف.
إن السؤال حول العلاقات المتبادلة بين الإيمان و العلم هو تساؤل قديم: حيث ظهر مع فجر الثقافة, و لا يزال مطروحا إلى يومنا هذا.
لماذا أثرت الديانات التي تؤمن بوحدانية الإله سلبا على التقدم العلمي و التقني بالشرق؟
بإمكان الحضارة الصينية الكبرى أن تعتز بكونها أوجدت كنوزا ذات مستوى عالمي كالزجاج و الخزف الصيني و الورق و آلية الموسيقى و البارود و اكتشاف مبدأ الحركة عن طريق رد الفعل و غير ذلك كثير. حصل هذا كله قبل انتشار البوذية بالإمبراطورية الوسطى. كما حصل أيضا عجز مماثل للفكر العلمي و التقني بالهند القديمة و ببلدان أخرى خلال مرحلة الزهد البوذي الساعي وراء الفناء المطلق, أي النيرفانا.
و يمكن اعتبار أن أثر الإسلام على ثقافة القرون الوسطى للعرب و إيران و الترك تمخض عن نتائج مماثلة.
و أخيرا, لماذا لم يتأتى للمسيحية أن توقف تطور العلم حتى الآن؟
يكمن السبب بكل تأكيد في كون العقيدة المسيحية, التي كانت تهيمن على وعي المجتمعات الأوربية منذ عشرة قرون خلت, كان عليها التصدي لردة فعل مباغتة عند مستهل الألفية الثانية. ففي ربوع الأرض المداسة باستمرار, لاحت أولى بنات أفكار الإرث الفكري, المنتعش بشكل مفاجئ بعد طول إهمال: كانت النهضة نتيجة تلاقح. قد نكون اليوم بصدد معانية فجر نهضة جديدة و تلاقح جديد بين الشرق و الغرب.
سوف نجيب عن كل الأسئلة المطروحة متسائلين أولا عن مصدر هذا التفرع المزدوج و ثانيا عن تحركات الشعوب التي جرفت الباحثين عن الشمس الساطعة نحو الشرق و جرفت البعض الآخر نحو الغرب حاملين معهم, في كل مرة, كافة تجاربهم و اكتشافاتهم خلال ألف سنة من الزمن. بوسعنا هكذا تفسير التلاقح المتبادل بين الحضارات و الشعوب, حيث يتبين لنا على هذا النحو أيضا صعوبة اختزال المسألة في خطاب ينظر لهذه الحضارات و الشعوب ككيانات تعيش منعزلة.
جدلية وحدة التعارضات الفعلية: ميولات نحو الشروق و نحو الأفول
انقسم العالم منذ الأزمنة الغابرة، إلى جزئين اثنين: بلدان الشمس الساطعة و بلدان الشمس الآفلة. كانت السنة آنذاك تضم كذلك موسما حارا و آخر بارد، دون أن تكون هناك فصول وسيطة مثل الربيع و الخريف.
إن أحد أكبر الاكتشافات الإنسانية هو ثنائية النظر إلى الظواهر الطبيعية. و العالم مدين بذلك لأرسطو. ففهم الطبيعة على أساس نسق من القوى المزدوجة و المتعارضة (النور و الظلام, المرأة و الرجل,اليسار و اليمين,الخ) أدى من جهة إلى اكتشاف صيغة العلاقة الجدلية و من جهة أخرى إلى نظرية الثالث المرفوع حيث لا وسط بين الوجود و اللاوجود: فالتطور نتيجة صراع و اتحاد بين الأضداد. كما يعتبر تقسيم العالم إلى شرق و غرب جزء من هذه المنظومة.
فبفعل انسياقهم وراء هذا الطرح أو ذاك, لم ير بعض المؤرخين في التعارضات الحادة و علاقاتها المتبادلة إلا وجه الصراع. فيما حاول البعض الآخر, بطريق أكثر جدية, توضيح العوامل التي تثبت وحدة الأضداد. من بين هؤلاء أذكر المؤرخ الروسي ليف كيمليف, ابن شاعرين كبيرين: نيكولا كيميلف و أنا أخما توفا, لربما يكون المبدأ الشاعري, بفضل النور المستوحى قد أعانه على تجاوز المتاهات المظلمة للتاريخ. كثيرا ما يجد الشعر نفسه أقرب للحقيقة من العلم.
لم تكن الشعوب دائما مستقرة بالأماكن التي تقطنها حاليا. فقبل خمسة آلاف سنة, كان أجداد إثنيات عديدة, شرقية حاليا, يعيشون على أراضي تميزت خصوصا بقربها من البحر الأبيض المتوسط و من آسيا الصغرى و كذا من آسيا القديمة. من هناك انطلق أسلاف الصينيين و اليابانيين و الكوريين و الأتراك و الأندونسيين للبحث عن موطن الشمس. دفع مذهب الشمس الفتية (الذي نسيناه منذ وقت طويل) الشعوب باتجاه الشرق, حيث ينهض كل صباح القديس المنير, إله عشاق الشمس. هناك بالضبط حيث تبزغ الشمس من جديد, و حيث "ثعشش الطيور على ظهور الخرفان السمينة" توجد مصادر إعادة انبعاث القبيلة و توجد ثمار غزيرة تسمح للأصلح ببلوغ الخلود عن طريق النهوض مجددا مثل الشمس دوما. أخذت هذه الديانة الناس نحو الشرق طيلة عدة قرون و أجبرتهم على هزم الجبال و الصحاري و البحار. مكث بعضهم على ضفاف المحيط الهادي. في حين كان البعض الآخر أكثر إصرارا و بلغوا جزر اليابان و بولينيزيا معتقدين أن جزيرتهم الصغرى هي بحق موطن الشمس الساطعة. فيما كانت شعوب المايا و الإنكا و الأزتيك أكثر تحمسا فركبت المحيط و اكتشفت قارة الفجر... و هناك شيدت تلك الشعوب معابد على شكل أهرام مدرجة, كالتي نجد بسامراء و ببابل, ممددة استعمال الكتابة الهيروغليفية التي كان يكون رمز الشمس أحد علاماتها الأكثر أهمية. إضافة إلى تفرعاتها الكتابية المنحدرة من مصر القديمة و من سامراء و من الصين القديمة ممثلة للقدسيين المنير الذي كان آنذاك الاله المحبوب من طرف الإنسانية بمعاد.
استطاع الباحث ثور هايدل, المتوفي مؤخرا, أن يلاحظ أوجه تشابه هامة بين ثقافات الإنكا و سكان جزيرة الباك, البعيدة عن أمريكا بآلاف الكيلومترات في اتجاه الغرب. و افترض أن شعوب الإنكا استطاعوا عبور المحيط انطلاقا من ساحل البيرو إلى الجزر البولينيزية على متن قوارب مصنوعة من رزم متماسكة جدا من القصب. ثم عمل على بناء"تكريس" و عبر المحيط بعد 52 يوما من الإبحار. برهن هذا الباحث الكبير على إمكانية الإبحار في المحيط باستعمال مراكب من القصب. لكنه لم يتمكن من التعرف على السبب الذي جعل شعب الإنكا يضطلع بإنجاز من هذا الحجم. فما لاهو الدافع الذي قد يكون حفز للقيام برحلة إلى الغرب على هاته الدرجة من الصعوبة. أهو البحث عن أراضي جديدة؟ فهذه كانت جدا وفيرة بأمريكا.
التقيت ثور هايردل مرة واحدة فقط , سنة 1993, بمناسبة انعقاد ندوة باليابان دامت ثلاثة أيام, حيث تأكد ميلاد الحركة البيئية الدولية تحت اسم "الصليب الإخضر", المنبثق عن ندوة ريو سنة1992 . انتخب ميخائيل غورباتشوف رئيسا, بينما أصبحت أنا و ثور هايردل قيمين. في اليوم الأخير أنجزت صحبة هايردل تقريرا عن الندوة. لكنه سافر جوا إلى بلده البيرو دون سابق إنذار, مما حال دون إطلاعه في الوقت المناسب على الأسئلة التي أعددتها سلفا. لازلنا على عكس العصور القديمة نعتقد إلى اليوم أن التنقل نحو الشرق كانت له دواعي حقيقية. كان مذهب الشمس الفتية في أولى الهجرات الكبيرة للشعوب: انطلاقا من حوض البحر الأبيض المتوسط و من آسيا الصغرى العتيقة نحو الشرق. على هذا النحو تشكل في نظري مفهوم الشرق ذاته. بعد ذلك أضفنا إليه خصائص ثقافية و جيوسياسية.
كان مذهب الشمس الفتية بمثابة الديانة المشتركة للعالم العتيق. غير أن قياوية عدة شعوب فشلوا في تأويل رموز هذه العقيدة بطريقة موحدة. و لهذا السبب جاءت مواقف الأتباع كذلك متباينة. و احتفظ أحد أهم تيارات هذا المذهب, الذي لم تصغ أفكاره بعد, بعينة من ساكنته القبلية في عين المكان. كان العالم القديم جدا صغيرا و كانت شعوبه قليلة العدد؛ بحيث لم تتجاوز ثلاثة إلى خمسة ملايين نسمة على الأرجح. إضافة إلى أن عدد اللغات كان في حدود بضع عشرات. خلال الألفيات اللاحقة, سوف يتسع التواجد البشري على الكوكب مضاعفا حضوره بألف مرة.
تمكن المعلومات التي راكمها المؤرخون فهم أسباب هجرات أخرى, أقل أهمية. وقع "انفجار مثير" (حسب اصطلاح كيميليف) خلال الألفية الثالثة قبل المسيح, و ألقى بالقبائل الرحل للساميين القدامى ابتداءا من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى داخل آسيا القديمة الأولى. إثر إخضاعهم للسومربيين, تينى القادمون الجدد ثقافتهم و كتابتهم و أسسوا الإمبراطورية الآشورية-البابلية ببلاد الرافدين. عند انتشارهم تدريجيا على ربوع العالم القديم آنذاك, قام الساميون القدامى تارة باستيعاب و تارة أخرى بإزاحة الساكنة الأصلية, التي ضمت تشكيلتها ممثلين عما سيعرف لاحقا بالهندأوربيين, و الفنلنديين المجريين, و القوقازيين و كذا الأتراك إلى حدما. إبان الألفية الثانية قبل المسيح سوف نجد هذه الأهالي بآسيا الصغرى القديمة و على الهضبة الإيرانية التي اجتازتها هاته الساكنات من أجل التوسع إلى الشمال و إلى الغرب, بحثا عن أراضي أفضل و أكثر أمانا.
فالأسباب التي دفعت القبائل المتبقية نحو الاستعمار خارج حدود العالم القديم كانت مادية بالأساس و مرتبطة بالتوسع أكثر من كونها أسبابا روحية. على هذا النحو تشكل كيان الغرب القديم, بفلسفة في الحياة التي تهتم بالحياة العملية أكثر من التطلعات الخيالية للعقل.
طريق الحرير: ملتقى الشرق و الغرب.
هكذا تولدت صحوة جديدة في حدود زهاء القرون الأولى من عصرنا. حيث سبق للناس أن فهموا أن شكل الأرض كروي, بدلا من دائري, و أن رؤية الأفق تدنو ليس ممكنا حتى و نحن نسير باتجاه الشرق. تحول مذهب الشمس الساطعة إلى مذهب السماء, و هذا جلي أكثر في الثقافة الصينية و الثقافة التركية المغولية.
في رأيي, تمخض غزو المغول الرحل-الذي يمثل هجرة كبرى للشعوب (من الشرق إلى الغرب, إذا استعملنا مصطلحات اليوم),عن أسباب اقتصادية ذات قاعدة سياسية. مثلت علاقات الندبة و التعاون بين الإمبراطوريتين الكبيرتين للعصور الحديثة- الإمبراطورية الوسطى و الإمبراطورية الرومانية- السبب الأول للهجرة "الكبرى". كما شكل الأتراك الرحل, القاطنين بالحدود الشمالية للصين, عامل توثر مستمر بالنسبة للإمبراطورية. حيث قادت الحروب ضدهم إلى تلف أقاليم صينية عديدة. و لحماية الحدود الشمالية, دام بناء الجدار الكبير عدة عقود من الزمن. لكن دون أن يتمكن ذلك من إنقاذ الإمبراطورية. إثر ذلك ما لبث السياسيون الصينيون أن وجدوا حلا خارقا: العمل على تحويل الأعداء الأبديين إلى خدام أوفياء. عهد للأتراك تأمين طريق الحرير الكبرى, بدءا من الصين و حتى حدود الإمبراطورية الرومانية. عادة ما كانت الإنجازات الرئيسية توصف بأنها "ضخمة". في حين أن هذا الشريان التجاري العابر للقارات, و الذي يجمع بين الشرق و الغرب, كان يستحق هذه الشمسية بامتياز. لم تكن التجارة بين الصين و أوربا عبارة فقط عن تجارة الحرير و الخزف الصيني و التوابل. بل تعلق الأمر أيضا بتبادل قيم حضارة شملت آخر النتائج العلمية آنذاك. و يجب ذكر الورق و البارود كأحد الاختراعات الصينية الكبرى.
توسع الأتراك شيئا فشيئا من منغوليا إلى آسيا الصغرى, سالكين مسار طريق الحرير, في أغلب الأحيان. و كانت القوافل تعبر الطريق, من البحر الأسود إلى الأندلس, صحبة عناصر قوطية (و القوط شعب جرماني قديم مكون من المحاربين). و كان هؤلاء مستقرين بأراضي تمتد من منطقة الكريمي (إقليم قوطي شرقي) و حتى إسبانيا (منطقة قوطية غربية). تؤكد أيضا أصول الكلمات المتداولة التعاون الوثيق للشعوب الجرمانية القديمة مع التجار و الإداريين الصينيين. تجد القواميين فكلمة "سيتا", "حرير" مشتقة من اللاتينية ساييتا "1-شعر (الحصان)؛2-حرير, شعر (الخنزير) الصلب".
نظن أن التطور على المستويين الدلالي و المعجمي صب بعيدا عن المعنى الصحيح: أي "خيط الحرير", "شعر الحصان" يعد الاهتمام أولا بالاسم الصيني ل"سلعة" صينية ما أحد مسؤوليات اللسانيين و علماء اللغة بالأساس. قد يجد علم الاشتقاق اللغوي ثمة مرتكزا جديا. فالمواد الصينية كانت تجلب إلى أوربا صحبة تسميتها الخاصة. فإعادة اختراع التسمية أمرا لم يكن واردا: حيث "سي" باللغة الصينية تعني "الحرير" و "سمي دي " تعني "من حرير". بالنظر للحروف الصامتة, يعتبر النعت قريبا من اللغة الأندلسية (الإسبانية) سي دا "حرير", و سي دني "حريري". حسب ه>ه المعطيات- دأبت قوافل الحرير, المصاحبة لعناصر قوطية محاربة, على الذهاب إلى إسبانيا مرورا بالقرب من روما.
وصلت البضاعة الصينية إلى الجرمانيين الشماليين عبر طريق فرعي آخر خاضع للأتراك الذين استمدوا من لغتهم ملحقا نعتيا: إذ ثم تغيير سي دي بكلمة سيليك أي "حريري". مع ذلك, فهم الجرمانيون النعت على أنه اسم الموصوف "حرير": سيلك بالإنجليزية, بالاسكندنافية سيلكي, و أخيرا بالروسية:èèèèè. علاوة على ذلك, قد تعود الكلمة الفارسية سيراه إلى نفس جذر الاشتقاق سيليك, لأن حرف اللام في اللغات الإيرانية يميل بانتظام إلى حرف الراء. باتجاه أقص الجنوب لممر طريق الحرير, حيث قادة بالأتراك ترافق القوافل. كما مكنت هذا الممر الجنوبي الحرير من الوصول إلى منطقة أبنين عبر إيران و بلدان الشرق الأدنى التي كانت خاضعة للروم آنذاك. راجع في هذا الباب, الكلمة الاتينية سيريكييس-1."من الحرير", 2."صيني", الغربية بعرفها الصامت من الكلمة الإيرانية.
في غياب أية شهادة مكتوبة, لا تقل كلمات الخطاب الشفوي أهمية عن وثائق ذلك العصر التي تعتمد على قدم المساواة مع الاكتشافات الأثرية. بحيث يكفي فقط أن نترجم بشكل صحيح و أن نفك رموز المعلومات المتضمنة في هذه الكلمات.
حينئذ تنجلي أمام أنظارنا لوحات فنية رائعة للتبادل الثقافي بين الشرق و الغرب, كانت خارج نطاق إدراكنا لفترة من الزمن.
كما يوجد ما يكفي من المصادر المكتوبة لتصور مدى أهمية علاقات التبادل هذه. غير أن هذا لا يبرز في الكتب المدرسية أوفى مقررات التعليم العالي, و أن كان معروفا بشكل جيد لدى الأخصائيين.
النهضة: في مركز تبادلات جديدة شرق / غرب.
اسألوا اليوم تلميذا فرنسيا أو تلميذا عراقيا عن النهضة: كيف و مماذا ابتدأ عهدها؟ و أية نهضة نعني في الحقيقة؟
آمل أخيرا أن تتطرف الكتب المدرسية للقرن الواحد و العشرين لهذا الموضوع التاريخي بشكل ملائم يسمح بالإجابة عن هاته الأسئلة.
سبق و درس هذا الموضوع منذ زمن طويل من طرف بضع عشرات من الاختصاصيين، إلا أن كتاباتهم لم يسبق نشرها بشكل واسع.
لم تكد مسيحية القرن الأول من "العصر الحديث" تختلف عن الديانات الأخرى. بل بالأحرى كانت صريحة في جهودها لاستبدال العلم بالإيمان. و أكدت على ... العادة الدنيوية لصالح النعيم الخالد في السماء. فكانت تمنع بصقة كل الإشارات التي تذكر بالحريات الدينية لليونان و لروما و مذهبهما المتصل بالحياة الدنيوية. انطلقت الحرب الصليبية التي شنها المسيحيون الأوائل ضد "الماضي البائد" مع إضرام النار عمدا في مكتبة الإسكندرية التي كانت تحوي أتم مجموعة كتب على الإطلاق لتاريخ العالم القديم. و تم القضاء في كل ربوع أوربا على التقاليد المدونة في اليونان القديمة. مرة ألف سنة من الزمن، نسيت أوربا الغارقة في ظلمات الأصولية المسيحية، ثقافة رغد الحياة لهيلاد إلى درجة زوالها من الذاكرة. وصلت لفائف الورق المشمع, إلي تضم مؤلفات كتاب يونانيين قدامى, إلى التخوم الشرقية للعالم آنذاك, أي إلى بغداد, عاصمة الخلافة العربية. كان الإسلام فتيا و لم يكتسي بعدا ثقافيا بعد. نجح العلماء العرب في تقديم نظم رياضية جديدة {الجبر} و في إحياء الكيمياء و الفلسفة. و ثم ابتداع صيغة "اللغة التركية للمحاربين, و اللغة الفارسية للشعراء و اللغة العربية للفلاسفة" عند بداية العصر الوسيط في آسيا الوسطى ذات التعددية اللغوية.
في القرن الحادي عشر, قام التركي محمد الفارابي ينقل أعمال أرسطو و أفلاطون إلى اللغة العربية, و كان أفلاطون معروفا لدى الأوساط العلمية, لذلك الوقت باسم "المعلم الثاني للعالم" (كان المركز الأول مخصصا لأرسطو). وصلت هذه الكتب إلى إسبانيا, ب"كردون", الآهلة بالعرب. بالإضافة إلى وجود منشقين عن الكنيسة الكاثوليكية هناك. ترجم هؤلاء الأعمال اليونانية الكبرى من العربية إلى اللاتينية. انتشرت هذه الكتب سرا على نطاق واسع في القرن الحادي عشر عبر كل أوربا مخلفة انطباعات و مواقف لاتزال إلى الآن مجهولة. على هذا النحو انتعش بأوربا ثانيا الشعور بالغبطة الدنيوية. إن ما نسميه بالنهضة يعني إعادة إحياء الدراسات اليونانية الإغريقية. و هذا يتجلى في الآداب و الفنون الجميلة و العلوم. هكذا تشكل الوعي الإنساني الذي سمح للعقل البشري بالنفاذ إلى الأسرار الأكثر عمقا لمسألة خلق العالم.
ساهمت روح النهضة في الكشف عن دلالات ضمنية في النصوص المبتذلة للكتب المقدسة. كما ساعد موضوع "خلق الله الإنسان من صورته" الوعي المسيحي النهضوي على إيقاد بريق بيت لمم مجددا لكل المواليد. لأن كل إنسان هو قبس من الإله الذي صنع الإنسان كي يصبح خالقا بدوره. كان ما طور هذا الوعي مبدأ الإنسان ككائن خلاق و إلهي.
كخلاصة مبدئية, يمكننا القول إن الثقافة الغربية ظهرت كتركيب للفكر الأخلاقي الزهدي المسيحي من جهة و للمذهب اليوناني الإغريقي المتصل بالحياة الدنيوية من جهة أخرى. إبان الألفية الثانية بعد ميلاد المسيح, تأثير مضمون و كذا إيقاع الحضارة الغربية بالصراع الحاد و بوحدة الأضداد.
فالبوذية و الإسلام لم يعرفا تناقضات جدلية مماثلة في سياق صيرورتهما. حيث حدد الإسلام للقدر, الذي تغذيه العقيدة, التأخر الطويل للحضارة بالشرق. فالسياسيون الحاليون مجبرون على أخذ هذا العامل بعين الاعتبار عند القيام بتحليل شروط "السياق الأسيوي", حيث تتواجد مفاهيم جد غربية مثل الاشتراكية و الديمقراطية و العولمة و غيرها.
نحو نهضة جديدة؟
لكن التجربة المسيحية شملت كذلك العصيان للأوامر الإنجيلية:" أنا الإله, أنا ربك. لا تصنع الأصنام و لا تقم التماثيل لما هو عال في السماوات, و لما هو منخفض على الأرض و لما هو في المياه تحت الأرض."
قام القراء الأوائل للكتاب المقدس بخرق الأمر بإقدامهم على تجسيد الإله, و ابنه و الأولياء الذين أضفوا إليهم صفات بشرية تمثل جنسا بشريا واحدا- و هو جنسهم.( فالأفروأمريكيون و الأفارقة المعتنقين للمسيحية يفسرون أن مرورهم للإسلام جاء بسبب رفضهم الصلاة لإله أبيض. و هذه نتيجة لم تنبع عن حرية التصرف).
لم يعص المسلمون الأمر الموحى إليهم لأن الإسلام يحرم تجسيد الله و جميع مخلوقاته. فوجه الله لا تدركه الأبصار. ليس الله بصفات وطنية أو عرقية. فهو ليس إنسانا أو حيوانا، لكنه هو الله. كل هذا مؤكد بأقصى درجة من اليقين.
فأين تكمن قوة تصور مماثل؟
تبذل كل الطوائف الإنسانية ما في وسعها للتقرب من" الصورة الإلهية" من دون حتى التعرف عليها. الأمر في الحقيقة يتعلق بالأداة الأكثر تجريدا لإصلاح الإنسان نفسه بنفسه. قد يبدو أن مقاربة من هذا القبيل تجعل من الإسلام "الدين الحق" للإنسانية جمعاء. هذا إن أثبتت نقطة القوة هذه أنها كافية.
ينم التطور اللاحق للموقف الأساسي من خلق الله للإنسان عن روح التمرد و العصيان.
. " الإله خلق الإنسان من صورته و من قبسه." (زمن الأنبياء، الألفية الأولى قبل هذا العصر- أول ألف I
سنة من عصرنا).
. "الإله شبيه لي لأني خلاق!" (عصر النهضة، الألفية الثانية من زمننا).II
عجلت هذه الفلسفة مجرى الزمن بشكل ملموس: ففي غضون بضعة قرون، ارتمت الإنسانية في أحضان المستقبل، أبعد ظاهريا مما هو مناسب. فالنظريات السياسية و التوترات الطبيعية الدولية باتت تتخللها بل و تهددها!
بدلا من "الحرب الباردة"، أصبح لدينا "الانحباس الحراري لكوكب الأرض"!
في متناول العالم اليوم فرصة للتوحد من أجل البقاء، إذا رسم الشرق و الغرب خطة عمل مشتركة تشتغل بوعي كنصفي كرة الدماغ للكون. تماما مثل ما تأتى للإيمان و العلم تحقيقه بأوربا إبان عصر النهضة.
إلا أنه يتعين علينا معرفة أنفسنا معرفة حقيقية قصد إنجاز ذلك. بدون أحادية و لا نقصان. فالشرق و الغرب، تلك أرضنا و وطن الإنسان المفكر. يجب على هذه المرحلة من النهضة الحديثة أن تؤسس أيديولوجيتها على هذا النمط من التفكير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق