إقليم دارفور:
أصول قديمة و سموم جديدة
يُعتبر التحليل الإثني السائد في الغرب لصراع دارفور بعيدا عن الحقيقة. تمكنت الأطياف المختلفة التي تُكوّن ساكنة دارفور منذ زمن بعيد من نسج العلاقات الضرورية لتعايشها. و ذلك رغم الصعوبات التي يخلقها نظام توزيع الأراضي. إنه التهميش السياسي و الإجتماعي و الإقتصادي للإقليم، المنسوب إلى الخرطوم، و الذي يصبّ في اتجاه انفجار 2003. أثار التمرد ردة فعل عنيفة من حكومة الخرطوم، التي سخّرت الجانجاويد. فيما ظل رد فعل المجتمع الدولي بطيئا؛ لكن حل هذا المشكل يبقى بدون شك غير ممكن دون حدوث تغييرات عميقة في الخرطوم.
المصدر / مجلة السياسة الخارجية
ترجمة / عبدالرزاق محمد بنتركة
تتسببت أزمة دارفور، منذ بداية سنة 2003، في مصرع عشرات الألوف من الأشخاص، و تهجير مليون و نصف المليون نسمة تقريبا ـ هناك 250 ألف لاجئ بالتشاد و مليون و 350 ألف مهجر داخل دارفور. فالأزمة الإنسانية أفضت إلى مقتل 70 ألف شخص حتى الآن، و هي تهدد بقتل المزيد. عشر سنوات بعد رواندا، ها نحن نتكلم من جديد عن إبادة جماعية بإفريقيا.
إذا كانت موجة العنف هاته لا سابق لها في التاريخ القريب لدارفور، فالأزمة ليست بالجديدة هناك. و لفهمها لا بد من فحص جذورها القديمة إلى جانب العوامل التي تثيرها على السواء.
علاقة الأرض بالبنية الإثنية في دارفور
عند وقوع اضطرابات، يسهل المبالغة في تقدير الديناميكية العرقية. فالبنية الإثنية بدارفور ذات طابع سهل و مرن. حيث يقتسم أولاد دارفور هوية مشتركة قوية، صُهرت داخل ذكرى دولة تاريخية – فالسلطنة، التي رأت النور بداية القرن السابع عشر، لم تطأطأ الرأس أمام التقدم الإستعماري البريطاني إلا سنة 1916 – و تصلّبت جراء عقود من التمييز داخل السودان الأوسط. إن تاريخ دارفور الذي طبعته العديد من المطاحنات المحلية، العنيفة أحيانا، هو في الحقيقة تاريخ من التعاون و التجانس. حيث صاغت المجموعات العرقية المختلفة، عربية و غير عربية، رحّلا و مُقيمين، روابط عائلية و اقتصادية و تجارية و سياسية متبادلة فيما بينها – و لعبت الديانة الإسلامية المشتركة دورا في تعميق تلك الروابط.
تحتل الأرض مركز الحياة الاقتصادية و الاجتماعية بدارفور. و تتم إدارة استغلال الأرض من طرف النظام التقليدي لما يُسمى ب"الحكورة" و هو اللقب الذي يعطيه السلطان لرعاياه. حافظ الإداريون الاستعماريون البريطانيون على هذا النظام، فخصصوا بدورهم دارا (أو منطقة قبلية) لكافة القبائل. و اليوم، تملك معظم قبائل دارفور دارا خاصة بهم، و تعتبرهذه الدار إذن أساس إجماع سياسي فيما بين القبائل الكبرى لدارفور، و هي تضمن لهم التمكن من الماء، و الحقول و المراعي. فمن جهة أولى يسمح هذا الإجماع بالحفاظ طويلا على السلم الإجتماعي، و من جهة ثانية فهو يعارض إقامة مشاريع زراعية كبيرة و مُمكننة، شهدت تجربتهابمناطق عديدة من البلاد على ممارساتها البيئية المدمرة حيث أدت إلى نزع ملكية الأراضي من البدو و تهميشهم اقتصاديا و سياسيا.
لكن نظام الدار يطرح مشكلا كذلك: فبعض القبائل، خاصة الطوائف الصغيرة لرعاة الإبل العرب التي تجوب السهوب الصحراوية القاحلة، حرمت من الدار من لدن السلطات الاستعمارية. كانت هاته الجماعات، الكثيرة التنقل، تعيش في جو من الاتحاد و التكافل مع الفلاحين المُقيمين من غير العرب الذين كانوا يسيطرون على الأرض: فور و زغاوة و توندجور و دادجو و غيرهم. و بفعل انهيار الشروط الإيكولوجية و الأمنية، صار تعايشهم أمرا صعبا.
جذور الأزمة: تهميش دارفور
تدفع وحشية الاضطرابات الحالية إلى نسيان أن الأزمة تجد جذورها في تاريخ ال35 سنة الماضية، و بخاصة في الإهمال المُمنهج الذي عانت المنطقة منه.
أصول قديمة و سموم جديدة
يُعتبر التحليل الإثني السائد في الغرب لصراع دارفور بعيدا عن الحقيقة. تمكنت الأطياف المختلفة التي تُكوّن ساكنة دارفور منذ زمن بعيد من نسج العلاقات الضرورية لتعايشها. و ذلك رغم الصعوبات التي يخلقها نظام توزيع الأراضي. إنه التهميش السياسي و الإجتماعي و الإقتصادي للإقليم، المنسوب إلى الخرطوم، و الذي يصبّ في اتجاه انفجار 2003. أثار التمرد ردة فعل عنيفة من حكومة الخرطوم، التي سخّرت الجانجاويد. فيما ظل رد فعل المجتمع الدولي بطيئا؛ لكن حل هذا المشكل يبقى بدون شك غير ممكن دون حدوث تغييرات عميقة في الخرطوم.
المصدر / مجلة السياسة الخارجية
ترجمة / عبدالرزاق محمد بنتركة
تتسببت أزمة دارفور، منذ بداية سنة 2003، في مصرع عشرات الألوف من الأشخاص، و تهجير مليون و نصف المليون نسمة تقريبا ـ هناك 250 ألف لاجئ بالتشاد و مليون و 350 ألف مهجر داخل دارفور. فالأزمة الإنسانية أفضت إلى مقتل 70 ألف شخص حتى الآن، و هي تهدد بقتل المزيد. عشر سنوات بعد رواندا، ها نحن نتكلم من جديد عن إبادة جماعية بإفريقيا.
إذا كانت موجة العنف هاته لا سابق لها في التاريخ القريب لدارفور، فالأزمة ليست بالجديدة هناك. و لفهمها لا بد من فحص جذورها القديمة إلى جانب العوامل التي تثيرها على السواء.
علاقة الأرض بالبنية الإثنية في دارفور
عند وقوع اضطرابات، يسهل المبالغة في تقدير الديناميكية العرقية. فالبنية الإثنية بدارفور ذات طابع سهل و مرن. حيث يقتسم أولاد دارفور هوية مشتركة قوية، صُهرت داخل ذكرى دولة تاريخية – فالسلطنة، التي رأت النور بداية القرن السابع عشر، لم تطأطأ الرأس أمام التقدم الإستعماري البريطاني إلا سنة 1916 – و تصلّبت جراء عقود من التمييز داخل السودان الأوسط. إن تاريخ دارفور الذي طبعته العديد من المطاحنات المحلية، العنيفة أحيانا، هو في الحقيقة تاريخ من التعاون و التجانس. حيث صاغت المجموعات العرقية المختلفة، عربية و غير عربية، رحّلا و مُقيمين، روابط عائلية و اقتصادية و تجارية و سياسية متبادلة فيما بينها – و لعبت الديانة الإسلامية المشتركة دورا في تعميق تلك الروابط.
تحتل الأرض مركز الحياة الاقتصادية و الاجتماعية بدارفور. و تتم إدارة استغلال الأرض من طرف النظام التقليدي لما يُسمى ب"الحكورة" و هو اللقب الذي يعطيه السلطان لرعاياه. حافظ الإداريون الاستعماريون البريطانيون على هذا النظام، فخصصوا بدورهم دارا (أو منطقة قبلية) لكافة القبائل. و اليوم، تملك معظم قبائل دارفور دارا خاصة بهم، و تعتبرهذه الدار إذن أساس إجماع سياسي فيما بين القبائل الكبرى لدارفور، و هي تضمن لهم التمكن من الماء، و الحقول و المراعي. فمن جهة أولى يسمح هذا الإجماع بالحفاظ طويلا على السلم الإجتماعي، و من جهة ثانية فهو يعارض إقامة مشاريع زراعية كبيرة و مُمكننة، شهدت تجربتهابمناطق عديدة من البلاد على ممارساتها البيئية المدمرة حيث أدت إلى نزع ملكية الأراضي من البدو و تهميشهم اقتصاديا و سياسيا.
لكن نظام الدار يطرح مشكلا كذلك: فبعض القبائل، خاصة الطوائف الصغيرة لرعاة الإبل العرب التي تجوب السهوب الصحراوية القاحلة، حرمت من الدار من لدن السلطات الاستعمارية. كانت هاته الجماعات، الكثيرة التنقل، تعيش في جو من الاتحاد و التكافل مع الفلاحين المُقيمين من غير العرب الذين كانوا يسيطرون على الأرض: فور و زغاوة و توندجور و دادجو و غيرهم. و بفعل انهيار الشروط الإيكولوجية و الأمنية، صار تعايشهم أمرا صعبا.
جذور الأزمة: تهميش دارفور
تدفع وحشية الاضطرابات الحالية إلى نسيان أن الأزمة تجد جذورها في تاريخ ال35 سنة الماضية، و بخاصة في الإهمال المُمنهج الذي عانت المنطقة منه.
أ. تهميش و تخلف
اتسمت الحياة السياسية السودانية باستغلال محيط السودان من طرف مراكز السلطة الاقتصادية و السياسية لواد النيل و ذلك منذ الاستقلال (1956) إن لم يكن قبله. تضم هاته المناطق المحيطية مرتفعات البحر الأحمر بالشرق، و النيل الأزرق بالجنوب و الجنوب الكبير، و الكوردوفان بما في ذلك جبال النوبا بالوسط الغربي، و أخيرا دارفور بالغرب. بالنسبة لسلطات الخرطوم، كثيرا ما مثل الإقليم الشاسع لدارفور، ذي النسق القتالي و الفقير، مصدر تهديد دائم أكثر منه مصدر ثروات حيوانية و زراعية و بشرية. مما يُفسر توالي سياسات الإهمال و القمع المنظمين. تصاعدت حدة اللامبالاة لهاته المنطقة إبان حكم جعفر النميري (1969-1985)، و استمرت خلال الفترة الديمقراطية للصادق المهدي (1986-1989)، و تسارعت وتيرتها تحت حكم النظام العسكري الأصولي الحالي.
تخلت باستمرار هاته الحكومات عن كل واجبات الدولة اتجاه سكان دارفور. و بزعم اللامركزية، قلصت حكومة الخرطوم مساهماتها في الميزانيات المخصصة للصحة و للتعليم و للخدمات الأساسية الأخرى، مع الإبقاء على الاستفادة من تحصل الضرائب، و الجنود للجيش، و اليد العاملة رخيصة الثمن. و أدى التغير المستمر للحدود الإدارية و لآليات الحكومة المحلية إلى تقسيم السكان و إضعافهم. فالحكومة المركزية أوهنت "الإدارة الأهلية" و أفسدتها بانتظام، و هي الإدارة التي شيدها البريطانيون، حارمين بذلك القادة التقليديين من سلطتهم و بالتالي من شرعيتهم. تقاعست الدولة كذلك من الاستثمار في تنمية دارفور، على الرغم من تضرر الإقليم كثيرا عقب انسحاب المُموّلين الأجانب الغاضبين من النظام الجديد بداية التسعينات. و كان أن صعد غياب الاستثمار في قطاع المياه من حدة صراعات الطوائف فيما بينها. و أدى إذن إلى الأزمة الحالية كما يقول شيخ إحدى القبائل العربية المنضوية مع الجانجاويد. أكثر من ذلك، تحتكر السلطات التشريعية قطاعات النقل و التجارة و الاستثمار و الاستيراد و التصدير و المعاملات العقارية و قوانين الصحة البيطرية و النباتية ألخ، بهدف إضعاف المنتجين و التجار بدارفور.
في ذات الوقت، تخلت الدولة عن اتخاد الإجراءات الأساسية الضرورية لتفادي أزمات غذائية – أصبحت أكثر فأكثر اعتيادية بالمناطق القاحلة لدارفور – من قبيل وضع آلية لاستقرار أثمان الحبوب، و أنظمة تخزين المواد الغذائية على مستوى القرى، و خاصة شق طريق مُعبد من النيل إلى مدن الإقليم الثلاث، و هي الفاشر و الجنين و النيالة. و في أوقات الأزمة، تستغل الدولة المساعدات الإنسانية للمصلحة السياسية و المالية لزبنائها.
ب. الضغوطات البيئية و الصراعات المحلية
فاقمت سياسات الإهمال هته من آثار التجفيف المتنامي للمناخ و من التدهور البيئي الذي يعرفه إقليم دارفور بدءا من السبعينات. لهته التحولات الطبيعية تأثير هام على نمط عيش السكان، و خاصة على الروابط بين الرحل و المزارعين المقيمين بالمناطق القاحلة ، التي تمتد من سلسلة جبال المارا إلى الصحراء الشمالية. في السبعينات و إلى حدود سنوات 1984-1986، دعت الضرورة إلى تنقل طوائف عديدة، عربية و غير عربية، نحو الجنوب. فمثلا، عاود عدد كبير من قبائل زغاوة و جيمير، من تالشمال الغربي، الإستقرار بالجنوب. فنظام الدار اشتغل جيدا بالنسبة للسكان المستقرين أو مربي الحيوانات: حيث منحت الطوائف المضيفة الأريضي للقادمين الجدد، الذين سرعان ما انمجوا تدريجيا. إلا أن الوضع أضحى أكثر توثرا بالنسبة للسكان الرحل: فبسبب شح الأمطار، اضطرت قبائل شمال دارفور ذات الأغلبية العربية و المربية للإبل إلى التنقل مبكرا أكثر فأكثر نحو مناطق الجنوب الأفضل سقوا، باحثة عن المياه و المراعي، في حين أن حصاد الذرة البيضاء صار يتأخر شيئا فشيئا. فالرعي تحول من رعي فصلي إلي رعي شبه دائم في المناطق الأكثر خصوبة لجبل مارا و الأودية الكبيرة، التي كان يقطنها بصورة تقليدية مزارعين غير عرب.فالجمال تدوس الحقول و ترعى على أشجار البساتين. و أروقة الرعي أُغلقت بواسطة أسيجة شاسعة و فارغة (زرائب الهواء) التي تحد من زحف قطعان الإبل. النتيجة هي تضاعف الاشتباكات العنيفة. فكل الأطراف تشعر بالضغط على نمط حياتها؛ و الأخطر هو اتهام كل طرف للآخر بالمسؤولية عن ذلك.
ج. تصاعد غياب الأمن
إن الصراعات التشادية، التي تمتد بانتظام و باستمرار إلى دارفور، تنشر الأسلحة الأوتوماتيكية. هكذا شاعت ابتداءا من الثمانينات هجمات قطاع الطرق. لكن العامل الرئيسي، مرة أخرى، هو سلوك الدولة. حيث دأبت الحكومات المتعاقبة على إهمال الاستثمار في الشرطة و القضاء، مما أتلف آليات هاته المؤسسات. لم تكتف الدولة بالغياب عن لعب الدور المُتوقع للوسيط في الصراعات المحلية، بل إن الخرطوم عادة ما هيّجت هاته القلاقل مناصرتها للقبائل العربية مباشرة؛ و ذلك بهدف إحكام سيطرتها الخاصة على المنطقة. فمثلا خلال سنوات 1987-1989، أرست حكومة الصادق المهدي قواعد اتحاد من 27 قبيلة عربية في صراعها مع قبائل الفور. وهو صراع، على الرغم من تطويق ضراوته آنذاك، قد يكون مهد للاضطرابات الحالية. بين سنوات 1995 و 2000، دعم النظام، بما في ذلك الدعم العسكري، التصرفات العنيفة للقبائل العربية في دار-ماساليت بأقصى الغرب لدارفور. و هو صراع اختلقته الحكومة بنفسها عن طريق إرساء 13 إمارة عربية داخل الدار التقليدية لقبائل الماساليت؛ و هذا يمثل خرقا لمفهوم الدار بعينه. لا تعدو الأزمة الحالية بطبيعة الحال أن تكون امتدادا للسياسات القاسية للدولة بدارفور.
المنطقة كانت إذن ناضجة للانفجار: تفقير و تنافس على موارد آخذة في التناقص، و أنماط حياة و بقاء تتصارع فيما بينها، و غزارة في الأسلحة و طوائف تتعسكر باستمرار، و غياب لسلطات قادرة على لعب دور الوسيط مقابل تواجد لدولة تستفز.
العوامل المثيرة للأزمة
أ. العصيان
في الشهور الأولى لسنة 2003 ينفجر العصيان. و تخرج للوجود حركتان متمردتان هما حركة تحرير السودان ( و هي حركة تحرير مسلّحة) و الحركة من أجل العدالة و المساواة. ولدت هاتان المجموعتان من التقاء بعض العوامل: أولا، وجود رجال مقاومة من قبائل الفور و زغاوة، وهي مقاومة مرسخة منذ القدم رغم محدودية نشاطها. ثانيا، التقارب بين مُثقفي المنفى و المناضلين المحليين، بما في ذلك مناضلين من أقارب القائد الإسلامي المُحاصر حسن الترابي. و ثالثا، هناك دعم القوات الخارجية، خاصة القوات التي يكثر ذكرها باسم الانفصاليون الجنوبيون المنضوون تحت لواء جيش تحرير شعب السودان و إريتيريا. فعملية السلام بين الخرطوم و جيش تحرير الشعب السوداني بدون شك شجعت المتمردين على التحرك: فالمعركة سمحت في نهاية المطاف للانفصاليين الجنوبيين يسلام تم التفاوض عليه دوليا، و لو حتى بعد عشرين سنة من المجازر.
و يطالب المتمردون، على المستوى السياسي، بإنهاء التمييز الاجتماعي و الاقتصادي. و يبدو أنهم استفادوا من مساندة شعبية واسعة، رغم ارتفاع أعداد ساكنة دارفور التي تدين اللجوء إلى العنف. تنشط ساكنة زغاوة، الملتحمة و الحاضرة على ضفتي الحدود مع تشاد، بفضل حضوتها بدعم مادي.
أما على المستوى العسكري، تحاكي تكتيكات المتمردين تكتيكات زغاوة التي يقودها إدريس ديبي بالتشاد: و هي منظمة داخل مجموعات صغيرة، مستقلة و سريعة، من عربات الدفع الرباعي المسلحة برشاشات من العيار الكبير. حيث تهاجم هذه الجماعات العربات العسكرية و مراكز المراقبةالمنعزلة للحط من معنويات و مصداقية قوى الأمن السودانية و كذلك من أجل التموين. و بسرعة فائقة، سجل جيش تحرير السودان انتصارات عسكرية مفاجئة. ففي شهر أبريل، دخل هذا الجيش منطقة الفاشر، عاصمة شمال دارفور و أسر جنرالا سودانيا و دمر العديد من الطائرات العسكرية التي كانت رابضة على الأرض. و بحلول فصل الصيف، حاصر هذا الجيش مدينتي ميليت و كوتيم لبعض الوقتن و هما مدينتين من شمال دارفور.
ب. رد فعل الحكومة
جاء رد فعل الحكومة السودانية سريعا و عنيفا. فالنجاحات العسكرية الأولية للمتمردين كانت غير منتظرة – و لا يجب نسيان أن عددا من سكان الخرطوم، البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة، ينحدر من دارفور. عمقت الروابط بين الحركة من أجل العدالة و المساواة وحسن الترابي من الاحتقان السياسي. أخيرا، كانت إدارة بوش، التي لا تخفي عميق كراهيتها للجبهة الوطنية الإسلامية، تستعد لغزو العراق بدون قرار من مجلس الأمن. أي أن نظام الخرطوم يمكن أن يخشى الأسوأ.
في شهر فبراير، نظم الفاضل حاكم دارفور آنذاكن الجنرال إبراهيم سليمان، مؤتمرا لقبائل المنطقة؛ ولم تنل هاته المبادرة أي سند من الخرطوم. هكذا تم التفريط في أحد آخر الحظوظ للحيلولة دون وقوع المذبحة. إذ تم اتخاد قرار الرد باستعمال القوة مبكرا سنة 2003، حسب مصادر مقربة من السلطة: كان يجب وقف المتمردين. لكن اللجوء المكثف للقوة العسكرية طرح العديد من الصعوبات. فبحكم انحدار جزء مهم من الجنود من دارفور، لم يكن ولاؤهم مضمونا إن دعت الضرورة القتال ضد إخوانهم. إضافة إلى ذلك، لم يكن واردا في ذهن الحكومة بناء هجوم عسكري ضد السكان الشماليين في الوقت نفسه الذي كان السلام مع الجنوب في المتناول. وذلك لدقة وخطورة الموقف. قررت الخرطوم عندئذ نهج استراتيجية الميليشيات المسلحة التي طالما برهنت على فعاليتها في الماضي، سواء كان ذلك في عهد الحكومة الديمقراطية للصادق المهدي أو في عهد النظام الحالي. يتفق مؤيدوا و معارضوا النظام على القول إن الحكومة ترسل دعوة عامة للسكان قصد التعبئة ضد التمرد. لم يكن مفاجئا عدم تجاوب القبائل الإفريقية مع العرض. عكس ذلك، قبلته بعض القبائل العربية التي قد يكون تواصلها مع الحكومة باديا للعيان: إنه ميلاد الجانجاويد.
ج. من هم الجانجاويد؟
تنحدر غالبية الجانجاويد من القبائل العربية الصغيرة رعاة الإبل يشمال دارفور، و هي قبائل مفقرة و مهمشة. إذ لم تحصل على دار من طرف السلطات الاستعمارية البريطانية، و هي اليوم تعاني من التدهور المناخي و البيئي. و تعرف معظم هاته العشائر و القبائل بصفة جماعية تحت إسم ارزيكات الشمالية، التي لا يجب خلطها مع ارزيكات الحقيقية، و التي تضم البكارة بجنوب دارفور. إلى جانب ارزيكات الشمالية تلزم إضافة جماعات عربية أخرى مثل الزيادية و التارجام و الزاغاوة أم كاميلتا، فضلا عن قبيلتين صغيرتين غير عربيتين و هما الطاما و الجيمير. و إلى حد الآن، لم تلتحق بعنف الجانجاويد القبائل العربية الكبرى لجنوب دارفور، أي البكارة، و هي قبائل أغنى و أقوى من رعاة الإبل بالشمال.
من الصعب تقدير اعداد الميليشيات. ففي يونيو 2004، التقى السياسيون و السلطات المحلية و القادة التقليديون من أجل تقدير عدد قوات الجانجاويد "النشطاء" ميدانيا بحوالي 10 إلى 15 ألف. و أشارت شهادات عديدة إلى وجود عدد مرتفع من المحاربين غير السودانيين ضمن صفوف الجانجاويد: هناك عرب ليبيون و تشاديون و من جمهورية افريقيا الوسطى و من مالي و من النيجر و من بوركينافاصو و من موريتانيا. إنها لازمة كثيرا ما ترددت: يشرح المُهجرون أنهم سمعوا بعض مهاجميهم يستعملون عبارات عربية غير شائعة محليا. من المهم جدا أن يُتداول هذا الطرح على لسان المثقفين السودانيين "الأفارقة" – الذين يرون فيه الدليلعلى مؤامرة عربية لاحتلال دارفور – و كذلك على لسان الموالين للنظام، الذين يسعون إلى شرح عدم قدرة الحكومة على السيطرة على هاته الميليشيات "الأجنبية". و على الرغم من استقرار العديد من عرب التشاد بالسودان خلال العشرين سنة الأخيرة، و على الرغم أيضا من شهية الغزو لدى بعض اللصوص على الجانب الآخر من الساحل، فبدون شك عدد الجانجاويد الأجانب مرتفع شيئا ما. فالجانجاويد تضل ظاهرة سودانية، مؤطرة و مدعمة من طرف الحكومة السودانية.
أعمال عنف و تهجير
تتعرض الكثير من تقارير الأمم المتحدة و منظمات حقوق الإنسان بإسهاب كبير للعنف الذي يشهده إقليم دارفور. إذ تتم مهاجمة قُرى المزارعين غير العرب بدون سبب من لدن الجانجاويد العرب الممتطين للجياد و الجمال و سيارات الدفع الرباعي أحيانا. و تحضى قوات الجانجاويد، في حالات عدة، بمساندة الجيش السوداني، في شكل غارات جوية ( طائرات مُقنبلة أو مروحيات مهاجمة). يتم نهب ممتلكات الطوائف المستهدفة عن آخرها. فيحرق المهاجمون المنازل و المباني الجماعية (كالمستودعات و المدارس و المصحات و المساجد) و البنية التحتية الفلاحية (آبار و قنوات صرف المياه و أوراش تقايب التربة و البساتين إلخ). فيما يخضع السكان الذين لا يتمكنون من الفرار في الوقت المناسب لعنف منظم: حيث يقتل الرجال و تغتصب النساء و تختطف، و يحتجز بعض الأطفال لحراسة المواشي المسروقة. ترتكب هذه الانتهاكات عند الهجوم و خلال الفرار؛ لتستمر معاناة المهجرين الضحايا داخل المخيّمات التي احتموا بها.
إذا كان يبدو، من بعيد، أن أعمال العنف هاته متسقة و مُوحدة، فهناك تحليل أدق يُظهر أن هذا العنف يستجيب في الواقع لأهداف متباينة. فالحكومة قادت الجانجاويد في حملة قاسية ضد رجال العصيان في شمال دارفور، عند شريط الأراضي إلى شمال جبال المارا، و هي المنطقة التي كانت أصل التمرد و مسرحا لأهم نجاحاته العسكرية. كان هدف الهجمات هو إضعاف القاعدة الاقتصادية المفترضة للمتمردين. في المقابل، يشرعن النهب و السلب للجانجاويد. فهم يهاجمون و يسلبون و يقتلون، لكنهم لا يمكثون و لا يحتفظون بالأراضي. فالأرض الفقيرة و القاحلة لا تهم رعاة الإبل العرب لشمال دارفور، الباحثين عن الماء و الكلأ.
الوضع مختلف جدريا بغرب دارفور. هناك يقل نشاط التمرد، بحيث لم تنضم إليه قبائل المساليت على غرار قبائل الفور أو الزغاوة. لكن المنطقة هنا خصبة: و الأرض هي هدف العنف. يطمع الجنجويد في مياه و كلإ دار المساليت و الوديان الكبرى المجاورة( وادي صالح و وادي عزوم و وادي باري). حيث يستعمرون الأرض بالدعم العسكري لقوات الجيش السودانية. هكذا تكتمل عملية تهجير السكان الأصليين.
أ. استنتاجات العمل الإنساني
يُحتمل أن تكون هذه الأعمال الوحشية الأسوأ التي شهدها دارفور منذ زمن الحروب التي مزقت المنطقة سنوات 1888- 1892 تحت ملك خليفة عبدالله (الذي خلف المهدي). و اليوم مثل الأمسن، تعتبر الأزمة الإنسانبة نتيجة مباشرة وسريعة لأعمال العنف. فالهجومات تجبر السكان على الهرب. النتائج مميتة بالنسبة للمهجرين، فهم بين المطرقة و السندان. أولا هنالك أزمة غدائيةلأن الجانجاويد يمنعون المهجرين من فلاحة أرضهم أو القيام بإجراءات البقاء (من قبيل قطف الأعشاب الخلوية من أجل القوت) التي يتم اللجوء إليها عادة أوقات المجاعة. ثم هناك بالتالي أزمة رعاية صحية عمومية: يجد السكان أنفسهم مجبرين على التجمع داخل مخيمات في ظروف ترشح فيها حالات الإسهال و الأوبئة الأخرى القاتلة بسبب شح المياه و قلة النظافة. لذا ترتفع معدلات الوفيات بغرب دارفور نتيجة لارتفاع نسبة الترحيل الجماعي.
على المستوى البعيد، تعتبر عواقب العنف قاسية جدا. فالنهب و التدمير قضى بالكامل على ثمار مجهودات و اقتصاديات تعود لأجيال كاملة: الكوخ و البستان و بعض رؤوس الأغنام و مضخة الماء التي تشتغل بالدييزيل و الشاحنة و المخزن و المسجد – يجب إعادة بناء كل شيء.
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق