حركية النظر و اضطرابات القراءة
تضع حركات عمودية, وأفقية و أخرى متساتلة الأشياء في مركز الشبكية. يكون التحضير لهاته الحركات عند الطفل أبطأ مما يكون عند الإنسان الراشد, لكن من شأن بطء غير عادي أن يُخِلَّ بالتعلّـم و يؤدّي إلى صعوبات مرتبطـة بالـقراءة و الـفهم و الكتابة.
بقلم / زوي كابولا فاركارنو Zoi Kapoula Sainte Fare Garnot
ترجمة/ عبدالرزاق محمد بنتركة
لحركية النظر علاقة وثيقة بالبصر. تكون الرؤية الواضحة ممكنة فقط عند توفر شرطين: أولا, أن تُعْرض الصورة على المنطقة المركزية لشبكية العين, أي نُقْرة الشبكية, الغنية بالإمتدادات المخروطية cônes – أجهزة استقبال الصور-, وثانيا, أن تكون الصور المعروضة صوراً ثابتةً (تتدهور حِدة البصر عندما تتحرك الصور بسرعة بالغة). لهذا لا تتوقف العينان عن التنقل قصد الإتيان بالأشياء المختارة على نُقْرة الشبكية, حيث يوجد أفضل تحليل بصري, و كذلك قصد تثبيت صور هذه الأشياء على الشبكية عندما يتحرك الرأس والجسم. تعتبر دراسة حركات العيون مجالاً ذا أولويـة في العلوم المرتبطـة بالجهاز العصبي و الإدراكي, و تعتبر كذلك وسيلة مثالية ليس لفحص وظائف الدماغ فحسب, بل كذلك لفحص نموه مع تقدم السن. بعد أن نكون قد أثرنا موضوع الحركات المختلفة للعين خلال الملاحظة أو القراءة, سوف نفحص كيف يتم تهييء وإنجاز هذه الحركات, كما سنفحص الدارات circuits الدماغية المتضمنة. يكون تهييء حركات العين بطيئا عند الطفل لأن بعض هاته الدارات ليست مُكتَملة. نعتقد أن هذا البطء قد يساهم في صعوبات تعلم القراءة التي يواجهها بعض الأطفال و خاصة عند حالات عُسْر القراءة و الفهم والكتابة.
ماذا يحدث عندما يجول النظر في موضوع ثابت معين الفضاء, من اليسار إلى اليمين, من الفوق إلى التحت و من الأمام إلى الخلف؟ يحدث هذا الاستكشاف بواسطة ثلاثة أصناف من الحركات: حركات ارتجاجية, حركات عكس المسافة البؤرية vergence, و حركات متناسقة. وتعتبر حركة الارتجاج البصري حركة سريعة: نركز النظر, نحركهُ بسرعة ثم نعيد التركيز من جديد. نقوم يوميا بآلاف الارتجاجات (في حـدود 100 000 ارتجاج) إمّا للتطلع إلى إحـدى الصور, أو للبحث عن أحد الأشياء, أو لجذب مكوِّن بارز لحقل الرؤية أو للقراءة. تؤسَّس القراءة على حركية معقدة و منقّحة للنظر. و تنطبق حركات عكس المسافة البؤرية على الحركات التي نقوم بها عندما نُحَوِّل نَظَرنا من موضوع بعيد إلى آخر قريب: لدينا إذن حركة تساتل convergence . عكس ذلك, تكون لدينا حركة تباعد divergence عندما نمر من رؤية قريبة إلى رؤية بعيدة.
تتدخل كذلك في هذا التوازن عملية عكس المسافة البؤرية, و هي أساسية لإدراك المجسمات و المسافات؛ حيث تتم ملاءمة حركات العيون التي تعَوِّض عن حركات الرأس و الجسم حسب المسافة و حسب زاوية التقارب. من شأن أي اختلال وظيفي لهذه العملية أن يشوش الصور على الشبكية, و أن يولد أحاسيس بالدوار, و اضطرابات في التوازن و كذا الوقوع أرضا أحيانا. هكذا يمكن لملاءمة سيئة لحركة عكس المسافة البؤرية أن تؤدي إلى عدة عواقب وخيمة: يصبح البصر فظا, ضبابيا أو مزدوجا و لا تُقَدَّر المسافات بشكل صحيح. يعتبر الدوران و الرؤية المزدوجة أكثر الأعراض إزعاجا. يعاني أكثر من شخص من كل عشرة من اضطرابات عكس المسافة البؤرية و تزداد هذه النسبة بين الأشخاص المسنين.
يمكن للرجات أن تكون عَرضية, عمودية أو مائلة, حيث تتحرك العينين معا في نفس الاتجاه و بنفس المدى تقريبا. و تُنْجَز أغلب الارتجاجات في أقل من 60 جزء من ألف الثانية. و يصل ارتجاج من10 درجات السرعة القصوى التي تبلغ 340 درجة في الثانية. و الرجة هي أسرع حركة طبيعية على الإطلاق! خلال حركات عكس المسافة البؤرية, تتحرك العينان في اتجاهات معاكسة بالنسبة للمستوى الوسطي, أي المستوى العمودي لنقطة تَماثُل الوجه. تُمَكِّن هاته الحركات الهامة من ملاءمة زاوية محوري العينين, و ذلك حسب المسافة من الموضوع: يكون المحوران متوازيان عندما ننظر إلى بعيد و متماثلان عند النظر عن قرب.
قَلّ ما نقوم في المواقف الطبيعية بحركات منعزلة لعكس المسافة البُؤرية, لأنه نادرا ما تكون الأشياء مستقيمية في المستوى الوسَطي: للتركيز على أشياء وُضعت في اتجاهات و على مسافات متنوعة, نقوم بحركات متناسقة, موجهة عرضيا (أو عموديا ) و في العمق في ذات الوقت. تعتبر هذه الحركات المتناسقة محرّك الرؤية للفضاء.
هكذا, فحركات الارتجاج و حركـات عكس المسافـة البؤريـة متشـابكة و متصلـة النشـاط بصورة طبيعيـة, و لاسيما بالنسبة للمسافـات المتوسطـة و الصغيرة (أقل من80 سنتمتر ). مع ذلك, بإمكاننا فك ارتباطهما في المختبر لدراسة ثوابتهما المترتبة و تفاعلهما. أوضحنا بهذه الطريقة أن الحركة المنعزلة لعكس المسافة البؤرية هي حركة بطيئة باستطاعتها أن تدوم لعدة مئات من أجزاء الألف من الثانية, بخلاف حركة الارتجاج. بالمقابل, فبمجرد ما يتم مزجها بالرجة, تصبح حركة عكس المسافة البؤرية تقريبا بنفس سرعة الرجة.
لدراسة حركة العينين كل واحدة على حدة أو كلاهما معا, لدينا عدة طرق: من بينها أولا, نقيس التيار الكهربائي على البشرة القريبة من العين باستعمال التخطيط الكهربائي لحركات العينين. ثانيا, لرسم حركات العين, نضيء العينين بأشعة ما تحت الحمراء بحيث لا يراها المعني بالأمر. ثالثا, تقوم لواقط بقياس الإشعاع المعكوس من طرف العين؛ تَستعمِل هذه الطريقة التضاد الموجود بين قُزحيّة العين (الجزء الملون من العين ) و الصُّلبة (بياض العين ) التي لا تعكس هذا الإشعاع بنفس الطريقة. و يتم ذلك بشكل يسمح لنا برصد وضعية العين. أخيرا, مع ظهور طرق جديدة, نستعمل كاميرات فيديو صغيرة مثبـتة على خودة تقـوم بتسجيل نطـاق تعرجات البؤبؤ و انعكاس قرنية العين. يتم تسجيل وضعية العين وصورها مرة كل جُزئيْ أو أربعة أجزاء الألف من الثانيـة و تتم معالجتها ببرامج معلوماتية تشير من جهـة إلى المكونات العموديـة و الأُفقية لتنقلات العينين, وتحدد من جهة أخرى الضوابط المهمة.
تُعتبر الارتجاجات, الأفقية على الخصوص, أكثر الحركات عرضة للدراسة, سواء عند الطفل أو عند الإنسان الراشد. أما القوة المحركة للعيون في أبعادها الثلاثية و التي تستوجب التسجيل المتزامن لحركية العينين معاً, فقد تم تجاهل دراستها لمدة طويلة. و لعشرات السنين, تدارس علماء الفيزيولوجيا الارتجاجات بعين واحدة مفترضين أن العين الأخرى تتحرك بنفس الطريقة. في حين أن هذا الإفتراض كان جزئيا خاطئا.
تتحرك العينان بفضل سـت عضلات لكل عين, مُنَظَّمـة بشكل مزدوج, و ذات وظائف متناقضة (عضلات رئيسية / عضلات مضادة), و تسمح لدوران عمودي و أفقي. كيف يتم التحكم في تنقلات العينين و سرعتهما؟ تتوقف سرعة حركات العينين على بِنْيَات تقع في الجذع الدماغي. كشف تسجيل نشاط الخلايا العصبية, عند الحيوان اليقظ, عن وجود بنيات مُعَيَّنَة تقود الأنواع المختلفة لحركات العينين. تبدأ الخلايا العصبية لبنيات التحكم هاته في التحرر قبل بداية الحركة بقليل, و لتردد هذا التحرر علاقة وثيقة بالسرعة الفورية للعينين خلال الحركات. انطلاقا من هذه المراكز ماقبل-محرِّكة, يسلك السائل العصبي, أي الأمر نفسه, طريقه إلى النواة المحركة للعين و التي تتوفر على الخلايا العصبية المسؤولة عن عضلات العيون. هذه البنيات المتصلة بالتحكم القَبْل- الحَرَكي هي بمثابة مولدات حركات العين, و لكل نوع من الحركات مولد خاص به (انظر الصورة رقم3 ). هل تتطور هذه المولدات المختلفة بنفس السرعة لدى الطفل؟
التحكم المركزي لحركات العيون
أظهرت العديد من الفُرُق الطبية أن الارتجاجات الأفقية عند الطفل البالغ من العمر خمس سنوات تسير بنفس السرعة التي نجدها عند الإنسان الراشد, بل إنها تفوقها بقليل؛ فضلا عن ذلك, تتغير السرعة قليلا بين سن 5 و سن 59 . تشير هذه الملاحظات إلى أن مُوَلِّدَ الارتجاجات يخضع لعملية نضج سريعة و أنه ثابت طوال الحياة. ماذا عن عملية عكس المسافة البؤرية؟ هل تتطور بنفس طريقة تطور الارتجاجات؟ قمنا صحبة كينغ يانغQing Yang و مرية-بيا بيسي Maria-Pia Bucci بملاحظة مجموعة أولى مكونة من 15 طفلا لا يعانون من أي خلل بصري و يتراوح سنهم بين 4سنوات و نصف و 12 سنة, و مجموعة ثانية للمقارنة متكونة من 15 شخص راشد, يتراوح سنهم بين 22 و45 سنة. أوضحنا أن السرعة القصوى للارتجاجات أعلى من السرعة القصوى لحركات عكس المسافة البؤرية بمرتين تقريبا و هي أسرع مما هي عليه في حالة الحركات التباعدية بأكثر من مرتين, و أن وتيرة هاته السرعات لا تتطور مع التقدم في السـن. قارنَّا بالتالي سرعة الارتجاجات و سرعة الحركات المعزولـة لعكس المسافة البؤرية, و لاحظنا أن حركة عكس المسافة البؤرية يتم تسريعها من طرف الارتجاج سواء عند الأطفال ذوي الأربع إلى الخمس سنوات أو عند الإنسان الراشد. تقترح النتائج التي حصلنا عليها أن كل المولدات المختلفة لحركات العيون تأخذ مكانها في مرحلة الطفولة الأولى و تظل ثابتة في سن الرشد. و نحن حاليا نفحص بمعية كريستوف أورسو Christophe Orsaud, بالمستشفى الأوربي جورج بومبيدو Georges Pompidou , كيف تتطور كل هاته الحركات خلال مرحلة الشيخوخة.
أشرنا إلى أن تنفيد الارتجاج سريع جدًّا ( 60 جزء الألف من الثانية تقريبا)، لكن مدة التهييء - مرحلة الكمون – هي تقريبا أطول بأربع مرَّات. ماذا يقع خلال هذا الوقت؟ تتوالى عدة عمليات: أولا, تنقل الإهتمام البصري نحو الموضوع الهدف؛ ثانيا, التخلي عن التركيز (شرط أساسي لحدوث حركة جديدة)؛ ثالثا, تحديد ضوابط الحركة اللازمة؛ و أخيرا أخذ القرار بالتحرك. كيفما كان ترتيب و طبيعة هذه العمليات, يُنَشِّطُ التهييء لإحدى الارتجاجات البصرية دارة (circuit) قشرية واسعة تشمل قشرة الدماغ الجدارية و الأمامية. ماذا عن التحضير لحركة عكس المسافة البؤرية؟ نفترض أنه خلال عملية الإستعداد لحركة الارتجاج و خلال التهييء لحركة عكس المسافة البؤرية la vergence تَنْشُط نفس البِنْيَات القِشَرية. بالفعل أوضح كل من لاري مايزLarry Mays و بول كاملنPaul Gamlin , من جامعة برمينكم Birmingam , وجود دارة جدارية-أمامية عند القردة مشابهة لدارة الارتجاجات و هي تتحكم في حركة عكس المسافة البؤرية. في المقابل, لازالت الأعمال الرامية إلى تحديد الأساس القشري لحركة عكس المسافة البؤرية عند الإنسان قليلة العدد. فلنفحصها.
مناطق القشرة الدماغية المعنية
تعتبر الإثارة المغناطيسية التي تتخلـل الجمجمـة تقنية دقيقـة تستعملها العـلوم العصبيـة و الإدراكية, و هي طريقة تسمح بتعطيل قابل للانعكاس و دون خطورة لوظائف المنطقة الدماغية المُنَبّهة: يُنتِج مِكبّ مغناطيسي وُضِعَ على الرأس حقلا مغناطيسيا قويا, يعبر جلد الرأس و الجمجمة و يُحْدِث بدوره تيارا كهربائيا, يتدخل في نشاط الخلايا العصبية الحقيقية. يتعلق الأمر بتقنية الاستعجال, عادة ما تستعمل بالعيادة لاختبار التحكم القشري و القوة المحرِّكة. من أجل المقارنة قمنا بواسطة هاته التقنية بتعطيل وظيفي قابل للانعكاس لقشرة الدماغ الجدارية اليمنى (تقع بالمنطقة العليا لنصف الدماغ الأيمن) عند مجموعة أشخاص راشدين. و ذلك خلال مرحلة التهييء لحركات عكس المسافة البؤريـة و الارتجاج. رفـع هـذا التعطيل الوظيفي مدة مرحلة الكمون لحركات التساتل, و التباعد و الارتجاج (بنفس الحدة على الشمال و على اليمين, نحو الأعلى و نحو الأسفل).
قمنا خلال تجربة أخرى بإرباك قشرة اللحاء المُحرِّك الرئيسي, لكن ذلك لم يكن له تأثير على مرحلة الكمون, مهما تكن حركة العين. استنتجنا أن لقشرة الدماغ الجداريـة اليمنى دور فـي التهييء الذي يسبق كل من حركـة الارتجاج و حركة عكس المسافة البؤرية. قد تكون كذلك هي المسؤولة عن إيقاف التركيز الحركي ـ البصري: للنظر إلى موضوع جديد يجب أولا أن نتوقف عن التركيز على موضوع سابق. بالمقابل, تُمَدِّد إثارة القشرة الدماغية الخلفية الجدارية اليسرى مرحلة الكمون فقط بالنسبة لحركة الارتجاج على اليمين و بالنسبة لحركة التساتل. في هذا الإطار, يوجد غياب تناسق وظيفي يسار/يمين, و نستنتج تبعا لذلك أن الإنطلاقة السريعة لحركة التساتل و لحركة الارتجاج نحو اليمين(و هي الحركات الأكثر حدوثا عند القراءة) تتوقف على العمل الجيد للقشرة الدماغية الخلفية الجدارية لنصفي كرة الدماغ معا.
في خضم إحدى الدراسات للقشرة الدماغية ماقبل-أمامية اليمنى, أوضحنا مع أوليفيي كوبار Olivier Coubard أن التعطيل الوظيفي القابل للإنعكاس بهذه المنطقة يختزل مرحلة الكمون لحركتي الارتجاج و عكس المسافة البؤرية. تبقى مع ذلك آلية هذا الإختزال مختلفة بكل من الارتجاج و التساتل. تظهر تقنية الإثارة المغناطيسية أعدادا ثانوية من الارتجاجات ذات كمون قصير جدا, نسميها ارتجاجات جد سريعة) مرتين على الأقل أسرع من فترة الكمون العادي), و هي تختزل الكمون الإجمالي لحركة الارتجاج, بينما هناك اختزال عام للكمون دون بروز لأية ارتجاجات ثانوية سريعة في حركة التساتل. إذا كانت بعض بنيات اللحاء تشارك في التحضير لحركتي الارتجاج و عكس المسافة البؤرية, فإنّ مجموعة دارات ثانوية و آليات معينة تُنَظِّم هذين الصنفين من الحركات.
تعطينا هذه الدراسات معلومات عن دور مناطق محددة بالقشرة الدماغية في التحكم في حركية النظر. ماذا عن استثارة القشرة الدماغية في مجملها ؟ نثير هذه المسألة آخذين بعين الاعتبار هذه المرة تسجيلات حركة الارتجاج أو حركة عكس المسافة البؤرية بواسطة الرسم الإلكتروني للدماغ électrocéphalographie . تمت هذه الدراسات بتعاون مع فريق يانيس إيفدوكيميديس Iannis Evdokimidos, عن شعبة علم الجهاز العصبي بجامعة آثينا في إطار برنامج أفلاطون Platon التابع لمؤسسة CNRS. كشفت هاته الدراسات أن تنشيط القشرة الدماغية إبان مرحلة التهييء لحركة العيون هو أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بعكس المسافة البؤرية مقارنة مع الارتجاج.
أكدت أعمال أريتي تزيلبيAreti Tzelepi و أنطوان لوتز Antoine Lutz في مختبر برنار رونوBernard Renault , بالمستشفى الجامعي بيتيي-صالبتغييغPitié-Salpêtrière , أن تنشيط القشرة الدماغية يكون عاليا بالنسبة للأهداف التي تثير حركات عكس المسافة البؤرية مقارنة مع الأهداف التي تُحْدِث حركات الارتجاج. خلال التهييء لحركات الارتجاج, يتم تنشيط المنطقة الوسطى والعظم الصُّدْغي الأسفل للجهة المعاكسة لمسار الرجة. و في المقابل, خلال مرحلة التهييء لحركة عكس المسافة البؤرية, يكون التنشيط خَلْفيا و موزعاً بالتساوي على نصفي كرة الدماغ. تثير الأهداف القريبـة, التي تستوجب حركـة تساتل, دارة واسعـة تضم المناطـق القفائيـة ( خلف الرأس ), الجذاريـة و الصُّدْغية السفلي لنِصْفَيْ الدماغ, فيما تثير الأهداف البعيدة, التي تستوجب حركة تباعد,دارة جد محصورة تضم الناحية القفائية و الناحية السفلى من العظم الصُّدْغِي. إذن, فالتطلع إلى هدف قريب و التهييء لحركة تساتل يثير القشرة الدماغية الجدارية أكثر من المناطق القشرية الأخرى, فيما يتلاشى هذا التباين عندما يكون الهدف بعيدا أو جانبيا.
مدة التحضير و نضج القشرة الدماغية لدى الطفل
كيف هو الأمر عند الطفل؟ تعتبر فترة كمون حركات العيون إحدى الضوابط التي يسهل بحثها و الغنية بالمعلومات حول التحكم الدماغي لحركية النظر. أوضحنا أن كمون جميع الحركات ( ارتجاجات, عكس المسافة البؤرية, و كذا الحركات المتناسقة) هي فترة تطول عند صغار الأطفال و تتقلص مع التقدم في السن. ولا تصبح مشابهة لتلك التي نعاينها عند الإنسان الراشد إلا بحلول سن 10 إلى 12 سنة. هكذا يحتاج الطفل ذو الأربع إلى الست سنوات إلى نحو نصف ثانية للتحضير لحركة التقارب و إلى أقل من ذلك نسبيا للتحضير لحركة الارتجاج أو التباعد. بينما يكون التهييء عند الطفل البالغ من العمر 12 سنة مرتين أسرع من ذلك.
لنسجل أن الحركات عند الطفل انطلاقا من أربع إلى خمس سنوات هي حركات دقيقة كما هو الشأن عند الراشد. يبقى فقط وقت التحضير بطيئا, أما السرعة و الدقة فيمكن مقارنتهما بتلك التي نجدها عند الراشد. إضافة إلى ذلك, تبقى مرحلة كمون حركات العيون قابلة للتغيير إلى حد بعيد, من محاولة إلى أخرى (عند نفس الطفل ). في المقابل , تكون هذه القابلية شبه ثابتة و متشابهة بالنسبة لجميع الحركات انطلاقا من 12 سنة: فهي في حدود الخمسين من جزء الألف من الثانية. هذه الأرقام مرتفعة عند صغار الأطفال بشكل ملحوظ: يمكن لفترة كمون حركة التساتل أن تختلف بأكثر من 200 جزء الألف من الثانية بالنسبة لنفس الطفل, بينما يكون كمون حركة الارتجاج مختلفا بأكثر من 160 جزء الألف من الثانية, في حين أن كمون حركة التباعد يختلف بأكثر من 125 جزء الألف من الثانية. تعكس بلا شك قابليـة التغيير هذه غياب التحسـن و النضج في سيرورة الآليات البصريـة المُحَرِّكـة و آليات الانتباه التي تتدخل في عملية التحضير للحركات.
الأمرهنا لا يعني وجود وجه من أوجه اللامبالاة التامة عند صغارالأطفال: بل هناك تباينات مهمة في متوسط الكمون حسب صنف الحركات - كما أثرنا سابقا. تتطلب حركات التساتل مُدَد كمون الأطول و الأكثر قابلية للتغيير, تليها حركات الارتجاج ثم حركات التباعد في الأخير. في إحدى الدراسات بواسطة تقنية الصدى المغناطيسي الوظيفي (IRMF) التي أجريت على مجموعة أطفال يبلغون أكثر من ثمان سنوات من العمر, أظهر فريق جون سويني John Sweeny , بجامعة بيتسبرغ Pittsburg , أن تنشيط القشرة الدماغية خلال الارتجاجات البصرية يزداد مع تقدم سن الطفل, و هذا ينطبق على مساحات مختلفة (القشرة الدماغية الأمامية, الجدارية و كذا مساحة المِهَاد البصري Thalamus ). قد تترتب أهمية مرحلة الكمون عند صغار الأطفال عن عدم نضج قشرة الدماغ و لاسيما دارة العضم الجداري-الأمامي. يُرَجَّح أن تتطور الدارات الثانوية التي تَنشُط نتيجة لحركات الارتجاج و حركات عكس المسافة البؤرية, بالتوازي مع بعضها البعض, غير أن ذلك يحصل بسرعات متفاوتة.
أخيرا تطرقنا, عند الأطفال الصغار, إلى كيفية إثارة الحركات المتناسقة التي تستدعي التنشيط الثنائي لمولِّدين اثنين, مولد الارتجاج و مولد عكس المسافة البؤرية. بصفة عامة, تكون مرحلة الكمون لإطلاق حركة متناسقة أطول من كمون إطلاق حركة أحادية, سواء لدى الإنسان الراشد أو لدى الطفل. تمثل الحركات المتناسقة التي تجب عليها ملاءمة الإتجاه و المسافة, و هي الحركات الأكثر شيوعا و الأكثر طبيعية, مهمةً مزدوجةً بالنسبة لقشرة الدماغ. من ناحيةأخرى, حتى في سن 12, لا ينجح الطفل دائما في بدء متزامن لحركتين اثنتين. في حالة اللاتزامن asychronie , يوجد على العموم تفاوت زمني يُقدر ب 20 جزء الألف من الثانية تقريبا بين حركة الارتجاج و حركة عكس المسافة البؤرية. لاحظنا أن الطفل يبتدأ بملاءمة حركة عكس المسافة البؤرية ( يحل أولا مشكل العمق ) قبل حركة الارتجاج, فيما ينهج الراشد مقاربة مغايرة, فتارة يبتدأ بملاءمة حركة الارتجاج و تارة أخرى بحركة عكس المسافة البؤرية.
هكذا إذن نعرف كيف أن قياسات زمنية لسلوك بسيط في ظاهره تعطينا معلومات حول النمو الدماغي للطفل. يجب التذكير أن كل هاته الحركات, و حركة عكس المسافة البؤرية بخاصة, هي جوهرية للحياة اليومية و الدراسية للطفل, الذي عليه أن يمر باستمرار من قراءة السبورة البعيدة إلى قراءة كتابه أو دفتره. يجب إذن أخذ بطء انطلاق هاته الحركات بعين الإعتبار في إنجازات صغار الأطفال.
صعوبات الرؤية عن قرب عند الطفل
في سنة 2002 , قمنا بقياس نوعية تناغم حركة الارتجاج في مسافات بعيدة ( متر و نصف ) و في مسافات قريبة ( 20 سنتيمتر ) عند أطفال ذي أربع سنوات و نصف فما فوق و لا يعانون من اضطرابات معينة. حصلنا على نتائج مُذهلة. إذا كان لدينا هدف بصري يقع 20 درجة شمال أو يمين نقطة تركيز النظر, يمكن لمدى حركات الارتجاج التي يقوم بها الطفل من أربع إلى خمس سنوات أن تختلف بثلاث درجات من عين إلى أخرى. نستنتج بناءً عليه أن التنسيق البصري الثنائي للعينين ضعيف, و بالأخص في المسافة القصيرة, و تحديدا بالنسبةً لمسافة القراءة.
في المسافة البعيدة, يكتسب الطفل ذو الثمان سنوات, ولا سيما من سن 10 إلى 12, قدرة على التنسيق البصري بين كلتا العينين قريب مما هو عليه الحال عند الراشد. مقابل ذلك, تظل جودة التنسيق في المسافة القصيرة ناقصة حتى في سن 12-10 سنة. بسبب ضعف التنسيق هذا, لا يُعرض الشيء المُركَّز عليه على نقرة الشبكية لكل عين بانتهاء الارتجاج البصري؛ و تبعا لهذا لا تندمج الصورتان في قشرة الدماغ: مما قد يُنتج رؤية مزدوجة. لإخفاء هذا الخلل, يشرع المخ في القيام بحركات بطيئة من نوع التباعد أو التقارب ترمي إلى إعادة ضبط المحورين البصريين على الموضوع. قد يُفَسِّر هذه الحالة عدم الإستقرار التي تعبر عنها عينا الطفل في الرؤية عن قُرب حتى في الفترة بين ارتجاج و آخر. رغم ذلك, يستغرق هذا التنظيم وقتا بشكل لا يجعل الطفل يحصل على رؤية موَحَّدة وواضحة إلا بعد مرورالارتجاج بمائة جزء من ألف الثانية (أو أكثر).
تُنتج هاته الإختلالات في القوة المُحرِّكة لكلتا العينين لحظات من الرؤية المشوشة التي تمرِّن الحركات البصرية و تكيِّفُها بهدف الرفع من مستوى التنسيق الدافع لحركات العينين معاً. إن التحسن الملاحظ خلال فترة الطفولة لايمكن في الواقع أن يعود فقط إلى نُضجٍ أو تناغم معين لخصائص الإوالة الأحيائيةbiomécaniques المرتبطة بالعضلات البصرية الخارجية للعينين. يتحسن تنسيق الرؤية المُحرِّكة للعينين بفضل آليات التعلم و الضبط الذاتي. قد نستطيع كذلك أن نطرح فرضية نهائية, وهي أن ضعف التنسيق البصري لدى صغار الأطفال في وضعية النظر عن قرب قد يكون إيجابياً, ذلك أنه غالبا ما يُحفِّز آليات التمرن و التأقلم الحركي-البصري, وهي آليات ضرورية طوال حياة الفرد, تَحْفظ السير الجيِّد للحركات البصرية رغم الهِرَم, و الأمراض و الآفات الطارئة.
على هذا النحو, يتوفرالإنسان منذ الولادة على تنسيق معين, و يتم المحافظة عليه على وجه التقريب حتى عند الأشخاص ضعاف النظر,إلا أن عملية التنسيق الدقيق لحركات العيون, تلك التي تكون ضرورية للقراءة أو لأنشطة أخرى تتم عن قرب, تَنْتُجُ عن التمرن. لقد أوضحنا زيادة على ذلك أن الناس الراشدين يحافظون على مقدرة هائلة للتعلم و لإعادة التكيف ذات الصلة بالتنسيق الحركي-البصري للعينين : غَيَّرْنَا على سبيل المثال مدى حركة الارتجاج لإحدى العينين مقارنة مع العين الأخرى و ذلك بأن وَضَعَََْنَا زجاجا مكبِّرا أمام إحدى العينين لمدة بضعة دقائق. يُعْتَبَرُ هذا التفاعل التكييفي مهم, لأنه يسمح مَوْضِعِيًا بذمج رؤية العينين لجزء من الموضوع المُرَكَّز عليه رغم اختلاف inégalité الحجم الإجمالي للصُّوَرِ. أضف إلى ذلك أن أشخاصًا يلبسون نظارات تقويم البصر مختلفة الزجاجات بالنسبة للعينين معًا يقومون بصورة طبيعية بحركات ارتجاج غير متكافئة: إذ يضمن هذا التكيف البصري-الحركي رؤية نوعية.
أخيرا,عند القيام بحركة الارتجاج, يكون التحسن التلقائي للتنسيق البصري للعينين بطيئا مع التقدم في السن. هل يتوقف نضج التنسيق الحركي –البصري للعينين معاً على نضج دماغي, و بالخصوص على نضج للدارة القشرية الجدارية و الأمامية المتحكِّمتان في حركية البصر؟ يبقى علينا التعرف على الأساس الدماغي للتنسيق الحركي-البصري للعينين, سواء عند الأطفال أو عند الراشدين أو عند أشخاص ذوي اضطرابات النظر, كحَوَل العين strabisme مثلا.
اضطرابات حركات العيون وصعوبات القراءة
لا تظهر القراءة كنشاط ثلاثي الأبعاد منذ أول وهلة, إلا أنها تحدث في الفضاء , على مسافة قريبة تستوجب الحفاظ على حركة تقاربconvergence مناسبة. عندما نقرأ, تقوم العينان بارتجاجات من اليسار إلى اليمين. تتلو كل واحدة منها فترة تركيز. تحتل لحظات التركيز هذه نسبة 90 بالمائة من وقت القراءة. حسب فرانسواز فيتي FranÇoise Vitu , عن مختبر علم النفس التجريبي, التابع للمؤسسة الجامعية باريس V , ليست لحظات التركيز هاته فترات راحة, بل هي أوقات نشاط مكثف. حيث إنها تُوظَّف للتحليل البصري و للمعالجة الإدراكية و كذلك للتحضير للإرتجاج المُوالي. كما رأينا سابقا, يتطلب التهييء لحركة الارتجاج عمل هام للقشرة الدِّماغية يحدث بالتوازي مع معالجة النص و فهمه. على الرغم من أن القراءة لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في حركية العينين, فإن هاته الأخيرة تُشكل شرطا أساسيا لقراءة "حقيقية": تُؤسَّس قراءة فعالة على تحكُّمٍ حركي- بصري فعال أيضا, بمعنى أنه على العينين أن يحتفظا بدرجة تساتل معينة عند النظر من مسافة قريبة (أي عندما نقرأ ), و على الارتجاجات أن تكون سريعة و جد متناسقة بالنسبة للعينين معاً. و لملاحظاتنا حول التطور البصري-الحركي للعينين ضمنيا علاقات مباشرة بجودة القراءة (أو صعوباتها).
يصعب علينا تحديد الوقت المُخصَّص لتهييء الإرتجاج المُوالي وكذا تحديد الوقت الذي تأخذه معالجة الكلمة عند ثبات النظر أثناء القراءة. في المقابل, إذا كان القارئ الصغير يركز على الكلمات لفترة طويلة, فذلك يعود جزئيا لطول الوقت الضروري للتحضير لحركة الارتجاج. هل يقرأ الأطفال باستعمال العينين معا؟ لكي يكون دمج صور إحدى الكلمات واضحا وقت التركيز, يجب على الارتجاجات البصرية أن تأتيَ بالكلمة على نقرة الشَّبكيَّة لكل عينٍ على حِدة. إن غياب الرؤية الواضحة يتعب القارئ الذي يسعى تلقائيا إذن لتغطية إحدى العينين للتخلص من هذه الإضطرابات للرؤية المُزدوجة. تمنح القدرة على القراءة باستعمال العينين معا امتيازا ضخما لرؤية نوعية, لكن هذا ليس ممكنا إلا حين تتناغم ارتجاجات العينين معاً. لذا, يمثِّل الطفل من سن السادسة إلى السابعة عَجْزا في هذا التناسق في النظر من مسافة قريبة؛ فهومرحليا بدون شك يواجه خللا بصريا. هذا الخلل المرصود من طرف نظام الرؤية يعيد تقدير الأوامر المُحرِّكة – أي عمليات التمرن البصري الحركي – التي تستهدف الرفع من مستوى قاطرة التنسيق و الرؤية باستعمال العينين معا. لذا, إبَّان تعلم القراءة, في حدود الست إلى السبع سنوات, يجب على الطفل أن يتعلم في نفس الوقت القراءة و تنسيق حركات عينيه بشكل أفضل: إنه يتعلم كيف يتعرّف على مجاميع الحروف و كيف يعطيها دلالة معينة, في حين أن الجهاز البصري-الحركي الفيزيولوجي لديه لم يبلغ بعد فاعليته القُصوى, هذه الفاعلية التي تتشكل في غمار التعلم.
إذن , قد يمثل التعلم مرتكز النمو البصري الحركي للعينين عند الطفل. هل يمكن أن تكون الإختلالات البصرية المرتبطة بعسر القراءة و الفهم و الكتابة dyslexie نتيجة لتعلم بصري-حركي أكثر بطئا أو نقصا؟ حسب عالم الفيزلوجيا جون شتاين John Stein , من جامعة أكسفورد Oxford , قد يُظْهِرالعديد من الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة و الفهم و الكتابة اضطرابات تخص عكس المسافة البؤرية و اضطرابات تنسيق النظر للعينين إبان الارتجاج. نحن الآن بصدد دراسة هذه الفرضية بمستشفى روبرت ديبري Robert Debré. نحن نعتقد أن الوضع البصري-الحركي لعكس المسافة البؤرية يعتبر جوهريا لقراءة دون تعب و يجب أن نتناول بالبحث اضطراباته الوظيفية بطريقة منظمة أكثر, عند الراشد و الطفل على السواء.
في مواجهة صعوبات القراءة عند صغار الأطفال, خاصة في بعض أشكال عسر القراءة و الفهم و الكتابة, علينا أن نبحث عن عجز بصري-حركي محتمل, و بالخصوص عجز يمس القدرة على التساتل في الفضاء القريب، حيث تتم القراءة. يمكن للتعلم أن يعدل حركة عكس المسافة البؤرية, شأنها في ذلك شأن التنسيق البصري للعينين. في هذا الإطار, أوضحنا صحبة م.-ب.بيسي, سيلفيت وينر-فاشر P.Bucci, Sylvette Wiener- Vacher.M و دومينيك بريمون-جينياك Dominique Brémond-Gignac , من مستشفى (روبير دو بري Robert Debré ) أن إعادة التأهيل الطبي البصري لحركة عكس المسافة البؤرية عند الطفل تسمح باختزال مدة التحضير لحركة التساتل convergence؛ قد يمكن كذلك تسريع وتيرة إنجاز حركة عكس المسافة البؤرية. نتيجة لهذا, سوف يكون لزاما علينا إثراء التمارين التقليدية لإعادة التأهيل الطبي البصري بطرق حيوية و مُتَفَاِعلة مُلْهَمَةً من البحث الذي يجري بالمختبر.